تقديرات إسرائيل بشأن مستقبل الحرب ومفاوضات أميركا مع إيران
بعد أقل من مرور شهر على الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي طاولت تبعاتها المنطقة بأسرها والعالم، تنشغل تل أبيب، في ظل الحديث عن مفاوضات بين واشنطن وطهران، بتقديرات وسيناريوهات محتملة واستعدادات للمرحلة المقبلة، وتقيّم ما حققته من "إنجازات" تحاول تعميقها أكثر، إلى جانب مواصلتها قصف أهداف إيرانية في ظل مؤشرات على أن طموحاتها ربما تفوق قدراتها. وتشير استطلاعات للرأي إلى أن تأييد الإسرائيليين الحرب على إيران والعدوان على لبنان لا يزال يحصد نسبة عالية في هذه المرحلة، رغم أن الظروف ليست سهلة في إسرائيل على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والصحية وغيرها، تفاقهما الصواريخ التي تواصل إيران وحزب الله إطلاقها نحو أهداف إسرائيلية، وتسفر عن قتلى ومصابين ودمار كبير.
وعلى الرغم من عدم وجود محادثات رسمية وعلنية بين الولايات المتحدة وإيران حتى الآن، يقول مسؤولون إسرائيليون إن مفاوضات فعلية ونشطة تُدار بالفعل في هذه المرحلة عبر عدة قنوات سرّية، بوساطة جهات مختلفة، وبمشاركة عدد من المقرّبين من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ونقلت صحيفة معاريف العبرية، اليوم الجمعة، عن مصادر إسرائيلية مطّلعة على مضمون الاتصالات، قولها إنّ الصورة الحقيقية أكثر تعقيداً بكثير مما تعكسه التصريحات العلنية. فبينما يبثّ ترامب رسائل تفاؤل، وتبثّ طهران رسائل تشدد وتشاؤم، تتواصل خلف الكواليس محاولات جدّية للتوصّل إلى تفاهمات قد تتيح إنهاء الحرب. إحدى المؤشرات المركزية على ذلك هي التغيّر الذي طرأ على نمط العمل الإيراني في الساحة الإقليمية.
يقول مسؤولون إسرائيليون للصحيفة إنه في إطار التفاهمات الهادئة التي تم التوصّل إليها خلال الاتصالات بين الطرفين، أوقفت إيران تقريباً إطلاق الصواريخ نحو دول الخليج، وهي تهاجمها الآن بين الحين والآخر فقط بواسطة طائرات مسيّرة، بينما يستمر إطلاق الصواريخ المكثّف نحو إسرائيل وحدها. ويرون أنّ الأمر ليس مجرد صدفة، بل نتيجة مباشرة لجهود خفض التصعيد، ويقدّرون أنّ الإيرانيين يعتقدون أنّ الهجمات الصاروخية على دول الخليج حققت أهدافها مسبقاً، فقد أثارت الخوف، وساعدت في زيادة الضغط الذي تمارسه دول الخليج على واشنطن لدفعها نحو إنهاء الحرب، كما ساهمت في رفع أسعار النفط. ومن وجهة نظر طهران الآن، وفق قراءة المسؤولين الإسرائيليين، أنّ استمرار إطلاق الصواريخ على دول الخليج قد يؤدي إلى إصابات ودمار، وهو ما قد يعرّض المسار السياسي للخطر.
ويعتقد هؤلاء المسؤلون في إسرائيل أنّ التباين الحاد بين الرسائل العلنية الصادرة عن الجانبين لا يعكس بالضرورة وضع المفاوضات الحقيقي، بل يرتبط أيضاً بصراع على سوق الطاقة. فبحسب ما يقوله المسؤولون لـ"معاريف"، يواصل ترامب إطلاق تصريحات متفائلة تشير إلى أن الأمور تتقدم في الاتجاه الصحيح، وذلك من أجل تهدئة الأسواق ودفع أسعار النفط إلى الانخفاض. في المقابل، ينشر الإيرانيون رسائل تفيد بأنه لا توجد أي فرصة للتوصل إلى اتفاق، وأن الفجوات غير قابلة للجسر، وأنهم لا ينوون تقديم تنازلات، وبذلك يستفيدون بشكل غير مباشر من ارتفاع أسعار النفط. وتقول الجهات الإسرائيلية إن هذا أيضاً جزء من مناورة نفسية موجهة نحو السوق.
مع ذلك، تؤكد الجهات المطلعة على الاتصالات للصحيفة أنه رغم التصريحات الإيرانية المتشددة، فإن الوسطاء أنفسهم يقولون إنهم لم يتلقّوا من طهران أي ردّ سلبي. وهذا، من وجهة نظرهم، يعزّز الفهم بأن القناة السرّية ما زالت تعمل، حتى عندما تكون الرسائل العلنية معاكسة تماماً. إلى جانب ذلك، فإنّ التقدير السائد في إسرائيل هو أنّ ترامب يريد بالفعل إنهاء الحرب، بل ويسعى لتحقيق ذلك خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. إلا أن هذا الطموح لا يضمن النجاح بالضرورة. فبحسب المسؤولين الاسرائيليين، لا يمكن لترامب الاكتفاء بإعلان نصر عسكري، حتى لو ادّعى أن الولايات المتحدة وإسرائيل ألحقتا ضرراً كبيراً بالقدرات الإيرانية. ولإتمام الخطوة، سيحتاج أيضاً إلى عرض إنجاز سياسي ملموس؛ أي اتفاق، أو على الأقل مظهر لاتفاق محترم، تكون في مركزه تنازلات إيرانية يمكن تقديمها للرأي العام الأميركي.
إحدى الأمثلة التي تُذكر باعتبارها خياراً مطروحاً هي تقليص مستوى تخصيب اليورانيوم. وفي إسرائيل يضيفون أن هذا هو بالضبط موضع الشك، فالأميركيون يظهرون ميلاً للتوصّل إلى اتفاق، بينما يميل الإيرانيون، على الأقل في هذه المرحلة، إلى الرفض أو إلى إدارة الاتصالات بنهج متشدد للغاية. وفي ما يتعلق أيضاً بمسألة الأموال التي قد تبدو عائقاً محتملاً، ترى إسرائيل أن هناك إمكانية لحل مبتكر. فبحسب المصادر، تمكن إعادة صياغة المطالبة الإيرانية بالتعويض بطريقة مختلفة، مثل أن تكون على شكل استثمارات أميركية في الاقتصاد الإيراني. وبهذا يمكن لإيران عرض ذلك بوصفه تعويضاً، بينما يستطيع الأميركيون تقديمه استثماراً أو انفتاحاً أو حتى عودةَ إيران إلى "عائلة الأمم".
وبحسب مصادر إسرائيلية تحدثت للإعلام العبري، فإن الأميركيين يصغون إلى المواقف الإسرائيلية، لكنهم يقدّرون أنه في نهاية المطاف، سيتخذ ترامب القرار وفق اعتباراته الخاصة. وفي الوقت نفسه، ومن وجهة النظر الإسرائيلية، طالما أن القتال مستمر، فإنهم يسعون لاستغلال كل يوم وكل ساعة. وتقول المصادر إنه حتى الآن لم تُطرح أي مطالبة بتقليل شدة الهجمات الإسرائيلية في إطار الاتصالات الجارية.
الجيش الإسرائيلي يهيئ لمرحلة جديدة من الحرب ضد إيران
في الصحيفة العبرية نفسها، نُشر تقرير آخر، اليوم، أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي يهيّئ الأرضية كما يبدو لمرحلة جديدة من الحرب على الجبهة الإيرانية. فهناك قناعة إسرائيلية، بحسب "معاريف"، بأن الولايات المتحدة ستُضطر إلى فتح مضيق هرمز بالقوة، وفي هذا السياق، يُنظر إلى اغتيال قائد سلاح البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري، وضابط استخباراته ومسؤولين آخرين، أمس الخميس، خطوة تمهيدية تهدف إلى تليين الطريق قبل التحرك الأكبر. وفي موازاة ذلك، يواصل سلاح الجو الإسرائيلي العمل على ضرب الصناعات العسكرية الإيرانية، بهدف إضعاف قدرة إيران على إعادة بناء قوتها الدفاعية.
لكن إلى جانب كل الخطوات التكتيكية، أفادت الصحيفة بأنه يجب الإصغاء جيداً لكلام رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير، الذي حذّر من انهيار الجيش من الداخل من حيث القوى البشرية، فالجيش لا يملك ما يكفي من الطيارين، ولا من فنّيي الطائرات، وينقصه جنود للمدرعات، ومظليون، ومقاتلو مشاة، كما يعاني من نقص في كتائب الهندسة. وأضافت أن الجنود الشباب لا يرون منازلهم ولا يتوقفون عن القتال. ولفتت إلى أن الكتائب القتالية تعاني منذ الآن من نقص في عدد المقاتلين، والجنود منهكون جسدياً ونفسياً، وقد عرفوا طوال أكثر من عامين نوعاً واحداً فقط من الخدمة العسكرية، هو الحرب، وتحوّلوا إلى آلات قتال، ولدى جنود الجيش الإسرائيلي ساعات قتال توازي ما لدى جنرال بخمس نجوم في الجيش الأميركي.
سيناريوهات محتملة
في غضون ذلك، أشارت القناة 11 العبرية التابعة لهيئة البث الإسرائيلي (كان)، مساء أمس الخميس، إلى وجود "خلافات جوهرية" بين إسرائيل والولايات المتحدة حول ثلاثة بنود من "مقترح النقاط الـ15" الذي عُرض على إيران. وبحسب مصدرين اطّلعا على مضمون المقترح الأميركي، لم تسمّهما، فإن بنود الخلاف هي حول صياغة مبهمة تتعلق بمستقبل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ونقل اليورانيوم الإيراني المخصّب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتخفيفات كبيرة في العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على إيران.
ويتحدث المسؤولون الإسرائيليون عن عدة سيناريوهات محتملة في الأيام القريبة، بحسب ما أفادت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية اليوم الجمعة، منها أن يعلن ترامب، خلال وقت قصير جداً، عن نصر أحادي الجانب وينهي الحرب، أو أن يحاول التوصل إلى اتفاق ما مع الإيرانيين يحصل بموجبه على مضيق هرمز أو على اليورانيوم المخصّب، أو أن يقرر مواصلة الحرب فترة إضافية معينة بهدف تعميق الإنجاز العسكري. ويرون أنه في حال عدم حدوث تقدّم في المفاوضات خلال الأيام القريبة، يمكن لترامب أن ينفّذ تهديده ويختار تصعيداً كبيراً، قد يتمثل في مهاجمة مواقع بنية تحتية إيرانية، أو فتح مضيق هرمز بالقوة، أو سيطرة قوة أميركية على جزيرة خارج. وفي المنظومة الأمنية في إسرائيل، يقدّرون أن إسرائيل ستُبلَّغ مسبقاً بقراره، والرأي السائد هو أن ترامب لن يتخذ خطوة تتعارض بشكل واضح مع المصلحة الإسرائيلية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين، فإنه إذا قبل الإيرانيون اتفاق النقاط الـ15 الذي عرضه ترامب، فسيُعدّ ذلك بمثابة "استسلام يتماشى تماماً مع المصالح الإسرائيلية". ومن الناحية العسكرية، تقول قيادات المنظومة الأمنية إن "الإنجازات التي تحققت حتى الآن جيدة"، لكن لو كان القرار بيد قيادة الجيش الإسرائيلي، لكانت ستطلب أسبوعاً أو أسبوعين إضافيين من القتال من أجل تعظيم الإنجاز، وخاصة لتحقيق تدمير أكثر شمولاً للصناعة العسكرية الإيرانية، وفق المصدر نفسه. في المقابل، يوجد في إسرائيل من لا يرغبون بأن تستمر الحرب فترة أطول بكثير من ذلك، لأسباب أخرى تتعلق بمخزون الذخائر والاعتراضات، الذي يكفي حالياً للقتال وفق الخطط، لكنه سيبدأ بالنفاد في مرحلة معينة.
أغلبية إسرائيلية تؤيد الحرب
يعتقد 60% من الإسرائيليين أنه "من الصواب" مواصلة الحرب على إيران، وفي صفوف ناخبي الائتلاف الحكومي تصل نسبة التأييد إلى 85%. في المقابل، 29% يعتقدون أنه يجب إنهاء الحرب الآن، و11% لا يعرفون. كذلك، تشير نتائج الاستطلاع التي نشرتها القناة 12 العبرية، مساء أمس الخميس، إلى أن 67% من الجمهور يعتقدون أنه "من الصحيح" الاستمرار في الحرب في لبنان، بينما يرى 22% أنه يجب إنهاؤها الآن، و11% لا يعرفون. ويرى 52% أن إسقاط النظام في إيران سيُعدّ نجاحاً، و49% يعتقدون أن تدمير اليورانيوم المخصّب أو مصادرته يُعدّ انتصاراً، فيما 42% يعتبرون أن ضربة كبيرة لقدرات التسلّح والبرنامج الصاروخي الإيراني ستكون انتصاراً، و6% يرون أن فتح مضيق هرمز يُعدّ إنجازاً، أما 10% فأجابوا بأنهم لا يعرفون.


0 تعليقات