تحليلات: ما فرص نجاح المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جنيف؟

 


تحليلات: ما فرص نجاح المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جنيف؟

على وقع استمرار التهديدات الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران، تجري اليوم جولة مفاوضات ثانية بين الطرفين في جنيف السويسرية برعاية سلطنة عُمان، فيما يرجح محللون وخبراء أن فرص نجاح هذه المفاوضات لتفادي المواجهة العسكرية تبدو محدودة إذا ما استمر التعنت الأميركي بفرض شروط تعجيرية على إيران، واعتبر محلل إيراني أنه "في ظل الخلافات العميقة بين الطرفين، فإن استمرار المفاوضات والوصول إلى نتائج ملموسة سيكون أمراً بالغ الصعوبة".

وتتمسك إيران بأن تقتصر المباحثات على الملف النووي الذي تزعم دول غربية وإسرائيل بأن هدفه تطوير سلاح ذري، وهو ما تنفيه طهران على الدوام. في المقابل، تحدث مسؤولون أميركيون وغربيون عن ضرورة أن يشمل أي اتفاق مع الجمهورية الإسلامية، البحث في برنامجها البالستي ودعمها لمجموعات مسلحة معادية لإسرائيل في المنطقة.

وأبدى الخبير الإيراني، سلمان كديور، تشاؤماً بشأن نتيجة مفاوضات جنيف، وقال إن التفاؤل حيال المفاوضات مع واشنطن "مضلّل وقد يقود إلى قراءات خاطئة لمسار التطورات".

وأوضح كديور لصحيفة "العربي الجديد" أن الشروط الأميركية مطروحة على نحو يجعل قبولها من جانب الجمهورية الإيرانية بمثابة "استسلام ونفي لجوهرها وهويتها"، مؤكداً أنه "من هذا المنطلق، لن تقبل إيران بهذه الشروط تحت أي ظرف". وأضاف أن المطالب الأميركية لا تخرج في جوهرها عن كونها ترجمة حرفية لشروط بنيامين نتنياهو، مشيراً إلى أنها تشمل تصفير تخصيب اليورانيوم، وهو ما قد يترافق مع تفكيك كامل لسلسلة الإمداد النووية وفرض قيود على البرنامج الصاروخي، الأمر الذي يعني عملياً القضاء على هذه الصناعة ووقف الدعم والتسليح "أو بالأحرى تفكيك مجموعات المقاومة في المنطقة".

وأشار كديور إلى أن حجم التحشيد الأميركي الضخم في المنطقة يُستخدم في الوهلة الأولى أداةَ ضغط سياسي ونفسي، إلا أنه رأى أن "اندلاع حرب بات احتمالاً أكبر من عدمه"، معبراً عن قناعته بأن أي مواجهة محتملة ستكون "حرباً شاملة ومتعددة الأبعاد، تهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية".

وأوضح الخبير الإيراني أن هذه الحرب، في حال وقوعها، لن تقتصر على الضربات الجوية، بل ستكون مزيجاً من عمليات جوية وبحرية وبرية واستخباراتية، إلى جانب السعي لإشعال تمردات مسلحة داخل المدن، معتبراً أن "ما شهدناه في أحداث يناير خلال الاحتجاجات كان بمثابة مرحلة تجريبية لهذا السيناريو".

واعتبر الخبير الإيراني عباس أصلاني، المقرب من الخارجية الإيرانية، إن المفاوضات تشمل ما يمكن أن تقدمه طهران بشأن الملف النووي بشقيه النووي ورفع العقوبات، مؤكدا في حديثه لصحيفة "العربي الجديد" أن إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية في مجال الأنشطة النووية، ولا سيما التخصيب، وتقدم ضمانات بأن البرنامج النووي الإيراني "سلمي ولا يتجه نحو إنتاج السلاح".

وأضاف أصلاني أن إيران مستعدة للتفاهم حتى بشأن مستوى التخصيب، بحيث يكون عند مستوى يبدد مخاوف الطرف الآخر ويوفر في الوقت نفسه ضمانات كاملة للطابع السلمي للبرنامج.

وأوضح أن "لدى إيران بطبيعة الحال أفكاراً في هذا الشأن، وهناك شعور بإمكانية التوصل إلى صيغة جيدة أو مناسبة".

وأشار أصلاني إلى أن من القضايا الأخرى ذات الأهمية، والتي تُعد محورية بالنسبة لإيران في سياق المفاوضات، هي مسألة رفع العقوبات، مشدداً على أنه "لا ينبغي أن ننسى أن هدف إيران من المفاوضات هو رفع العقوبات، وليس مجرد إزالة تهديد الحرب أو المواجهة العسكرية". ولفت إلى أن جزءاً من هذه الأفكار التي سيطرحها وزير الخارجية الإيراني خلال المفاوضات يرتبط بملف رفع العقوبات أيضاً، وبما تتوقعه إيران في هذا المجال مقابل الخطوات التي يمكن أن تتخذها في الملف النووي.

وبحسب الخبير الإيراني، فإن ما طُرح الأحد الماضي من مقترحات اقتصادية إيرانية على لسان العضو في الفريق التفاوض، حميد قنبري، يندرج في مجمله ضمن عناصر تفاهم محتمل حول الملف النووي.

وكان قنبري قد قال إن منافع اقتصادية مشتركة في مجالات النفط والغاز، والحقول المشتركة، والاستثمارات المعدنية، وحتى شراء الطائرات، أُدرجت في صلب المفاوضات.

وخلص أصلاني إلى أن الوفد الإيراني الذي توجه إلى المفاوضات يضم فريقاً سياسياً وقانونياً وفنياً، بما في ذلك خبراء في المجالين النووي والاقتصادي، ما يعني أن الملفات النووية والاقتصادية ورفع العقوبات "تُبحث معاً، نظراً لأهميتها بالنسبة لإيران".

وأضاف أن اللقاء في جنيف مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، يدل على أن "قسماً مهماً" من المقترحات المطروحة يرتبط بالجانب التقني المتصل بالملف النووي.

حدود التنازلات

قال الخبير الإيراني المحافظ،علي رضا تقوي‌ نيا، إن الجانب الأميركي كان قد اقترح عقد الجولة الثانية من المفاوضات في إيطاليا، إلا أن طهران رفضت ذلك. وأضاف في حديثه لصحيفة "العربي الجديد" أن رفض إيران لإيطاليا جاء على خلفية "المواقف العدائية للاتحاد الأوروبي، ولا سيما إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة الإرهاب"،

وأضاف أن طهران أصرت على سويسرا، باعتبارها دولة أوروبية لكنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، و"نجحت في فرض وجهة نظرها في هذا الشأن". كما أن سويسرا تعد وسيطاً رسمياً بين إيران وواشنطن وهي ترعى المصالح الأميركية في إيران. وأوضح تقوي ‌نيا أن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني رسم الخطوط الحمراء الإيرانية التفاوضية بشكل واضح، مؤكداً أن "طهران لن تتراجع عن مستوى تخصيب 20%، وأنها مستعدة للتفاوض فقط حول تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%".

وخلص إلى أنه "في ظل الخلافات العميقة بين الطرفين، فإن استمرار المفاوضات والوصول إلى نتائج ملموسة سيكون أمراً بالغ الصعوبة".

وأشار الخبير الإيراني إلى أن لهجة ترامب في الآونة الأخيرة جاءت حادة، وعلى خلاف مضمون المقترح الأميركي الذي قُدّم لطهران بشكل مكتوب، موضحاً أن المقترح الأميركي اقتصر على الملف النووي ولم يتطرق إلى ملفات أخرى، غير أن تصريحات ترامب توحي بأن هذا العرض قد لا يكون جدياً. ولم يستبعد أن تكون هذه المفاوضات "قد تُستخدم أداةً للخداع"، مؤكداً في الوقت نفسه أن القوات المسلحة الإيرانية "في أعلى درجات الجاهزية، وأن إيران لن تنخدع مرة أخرى بشعارات التفاوض، بل تمضي في تنفيذ سياساتها وخياراتها".


إرسال تعليق

0 تعليقات

تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.