استهداف أبو الظهور رسالة لأنقرة والشرع: "إسرائيل تخشى تمركزًا تركيًا يقيّد سلاحها الجوي"


 تأتي الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري شرقي إدلب، فجر الثلاثاء، في إطار محاولة إسرائيل منع تنامي الحضور العسكري التركي في سورية، ونشر منظومات رادار ودفاع جوي قد تحدّ من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية وعلى المسارات الجوية المؤدية نحو العراق وغربي إيران.

وبحسب المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "واينت"، رون بن يشاي، فإن استهداف المطار، الذي لم تتبنّه إسرائيل رسميًا، قد يكون رسالة مزدوجة إلى أنقرة ودمشق مفادها أن إسرائيل لن تقبل، وفق تقديره، بتمركز تركي عسكري في مواقع تعتبرها مؤثرة على مجال عملها الجوي في المنطقة.

واتهمت دمشق إسرائيل بتنفيذ ثماني غارات استهدفت مدرج مطار أبو الظهور العسكري وألحقت أضرارًا مادية ببنيته من دون تسجيل إصابات، فيما امتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق على مسؤوليته عن الهجوم.

وجاءت الغارات بعد زيارة وفد عسكري تركي إلى المطار خلال الأيام الأخيرة لتقييم إمكان إعادة تشغيله، في ظل مزاعم إسرائيلية بشأن مساعٍ تركية لتعزيز حضورها العسكري داخل سورية ودعم السلطات الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

وأكدت مصادر مُطلعة لـ"العربي الجديد" أن وفدا عسكريا تركيا كان قد زار الموقع عصر أول من أمس الإثنين، بهدف تأهيل مدرجه. وأوضحت المصادر أن أعمال تأهيل المدرج كانت لا تزال في مراحلها الأولى.

وأشارت المصادر إلى وجود عدة عربات إشارة تركية داخل المطار، بالتزامن مع تحليق مسيّرة استطلاعية من نوع "بيرقدار" في المنطقة. وبعد مغادرة الوفد والمعدات التركية المكان، حلقت طائرة استطلاع إسرائيلية، ليل الإثنين - الثلاثاء، في أجواء المطار قبل أن يتعرض للهجوم.

ويرى بن يشاي أن موقع أبو الظهور يكتسب أهمية تتجاوز المجال السوري نفسه، إذ إن وجود منظومات رادار واعتراض تركية فيه قد يؤثر، بحسب تقديره، على حرية حركة الطائرات الإسرائيلية في شمال شرقي سورية، وشمالي العراق، ولا سيما إقليم كردستان، وكذلك على المسارات الجوية باتجاه غربي إيران في حال تجدد المواجهة المباشرة معها.

ويستند المحلل في تقديره إلى سابقة مطار "تي فور" العسكري وسط سورية، الذي استهدفته إسرائيل مرات عدة خلال سنوات الحرب في سورية، وكان يُستخدم آنذاك، وفق الرواية الإسرائيلية، ضمن مسارات إيرانية لنقل منظومات دفاع جوي وأسلحة إلى سورية وحزب الله.

لكن بن يشاي يلفت إلى غارات نيسان/ أبريل 2025 على المطار نفسه باعتبارها مختلفة عن الهجمات السابقة، إذ ربطت تقارير عربية ودولية في حينه بين القصف ومحاولات تركية للتمركز في "تي فور" ونشر منظومات رادار ودفاع جوي فيه بعد سقوط نظام بشار الأسد.


وبحسب هذا التقدير، سعت إسرائيل في حينه إلى وضع "خط أحمر" أمام أنقرة، وقصفت مدرجات المطار ومحيطه بالتزامن مع تحرك قوات ومهندسين ومتعاقدين أتراك باتجاهه، لمنع إنشاء بنية عسكرية قد تقلص حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سورية.

ويؤكد بن يشاي أن هذه التفاصيل لم تحظَ بتأكيد رسمي إسرائيلي، لكن تل أبيب لم تنفها أيضًا، ويستند إليها لافتراض أن استهداف أبو الظهور يأتي في سياق مشابه.

ويقول إن إسرائيل تحاول، في الوقت نفسه، تجنب الانتقال إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا، ويرى أن تنفيذ الغارات ليلًا واستهداف مواقع خالية من الأشخاص، إلى جانب استمرار الصمت الرسمي الإسرائيلي، ينسجمان مع محاولة توجيه رسالة عسكرية من دون استهداف قوات أو مواطنين أتراك.

وفي هذا السياق، نقل بن يشاي عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله لشبكة "فوكس نيوز" إن إسرائيل شاركت الولايات المتحدة، قبل الغارات، "معلومات استخبارية حساسة"، جرى نقلها على "أعلى المستويات" بين أجهزة ومؤسسات الجانبين.

وبحسب المسؤول، فإن الرسالة الموجهة إلى القيادة السورية هي أن الشرع "يفهم أنه لا يستطيع التصرف كما كان يفعل النظام السوري السابق"، فيما يفسر بن يشاي ذلك باعتباره تحذيرًا من السماح لتركيا بتوسيع تمركزها في مواقع إستراتيجية داخل البلاد.

ويرى المحلل أن الرسالة الإسرائيلية لا تستهدف تركيا وحدها، بل أحمد الشرع أيضًا، إذ تسعى إسرائيل، بحسب تقديره، إلى وضع حدود للدعم والتسهيلات التي تقدمها دمشق لأنقرة، بما يمنع انتقال الحضور التركي من شمالي سورية إلى مواقع أعمق وأكثر قربًا من مجالات تعتبرها إسرائيل حساسة إستراتيجيًا.

ويربط بن يشاي بين هذا التقدير والدور التركي في دعم الشرع قبل وصوله إلى دمشق، معتبرًا أن السلطات السورية الجديدة مدينة سياسيًا وعسكريًا لأنقرة التي وفرت لقواته، قبل إسقاط نظام الأسد، السلاح والتدريب والحماية في منطقة إدلب.

ويضيف أن تركيا كرست أصلًا وجودًا عسكريًا واسعًا على امتداد أجزاء من شمالي سورية، ولا سيما بمحاذاة الحدود، ضمن منطقة نفوذ تستهدف أساسًا القوات الكردية، وترى إسرائيل أنها تحاول الآن توسيع هذا الحضور جنوبًا وفي اتجاه مواقع ذات قيمة إستراتيجية أكبر.

في المقابل، أدانت دمشق الغارات ووصفتها بأنها "عدوان غير مبرر" على سيادتها، مؤكدة أنها تتمسك بضبط النفس وتعمل على تجنب التصعيد، ودعت مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى إدانة الهجمات الإسرائيلية المتكررة.

كما أدانت تركيا الغارات ونسبتها إلى إسرائيل، فيما انتقدها السفير الأميركي لدى أنقرة ومبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى سورية، توم براك.

ويرى بن يشاي أن الموقف الأميركي يعكس تباينًا أوسع بين إسرائيل وإدارة ترامب بشأن سورية، إذ تسعى واشنطن، بحسب تحليله، إلى تعزيز العلاقة مع تركيا ودمج سورية الجديدة في محور إقليمي أقرب إلى الولايات المتحدة، بينما تنظر إسرائيل إلى أي تمركز عسكري تركي متقدم في سورية باعتباره قيدًا محتملًا على حرية عملها.

ويأتي ذلك في وقت تواصل إسرائيل هجماتها داخل سورية منذ إسقاط نظام الأسد، إلى جانب توسيع انتشار قواتها خارج المنطقة العازلة في الجولان المحتل، رغم جولات تفاوض عقدها الجانبان بوساطة أميركية، وإنشاء آلية تنسيق مشتركة مطلع العام، من دون أن يؤدي ذلك إلى وقف الغارات أو التوغلات الإسرائيلية.


إرسال تعليق

0 تعليقات

تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.