قانون إعدام الأسرى يحدث صدمة كبيرة في الشارع الفلسطيني
أحدث إقرار البرلمان الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الاثنين، صدمة كبيرة في الشارع الفلسطيني، إذ أن إسرائيل امتنعت عن تطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين خلال سنوات الاحتلال الطويلة التي بلغت نحو ستين عاماً. لكن كثيراً من الخبراء والمراقبين يتوقعون أن ترفض محكمة العدل العليا إقرار هذا القانون، أو تعمل على تعديله لأسباب سياسية وأمنية ودستورية.
ردود فعل
وظهرت في الشارع الفلسطيني ردود فعل فورية سريعة وحادة وواسعة، بعضها عاطفي، ضد هذا القانون الذي يهدد حياة أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين يتصدون للاحتلال بأشكال مختلفة جيلاً بعد جيل. وكان من بين ردود الفعل من طالَب بثورة شعبية ضد القانون، ومن طالَب بالتصدي له قانونياً وسياسياً، ومن دعا إلى تجنيد ضغط دولي لإجبار إسرائيل على التراجع عنه.
وقال وزير شؤون الأسرى السابق قدورة فارس لـ"الشرق"، إن "القانون يثبت للعالم مدى تغوّل العنصرية والفاشية في المجتمع الإسرائيلي، وحاجة الدول الديمقراطية المتمسكة بحقوق الإنسان إلى النأي بنفسها عن هذه الدولة ومقاطعتها".
وأضاف: "نحن واليهود نعيش على نفس بقعة الأرض، لكن لدى إسرائيل قوانين خاصة لليهود وقوانين قمعية للفلسطينيين، وهذا يلقي بالكرة إلى ملعب المجتمع الدولي الذي عليه أن يتحرك لوقف هذه العنصرية الفادحة في هذه البلاد كما فعل في جنوب إفريقيا".
ودعت حركة "فتح" وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى إضراب شامل في البلاد، الأربعاء، للتعبير عن مقاومة الشعب الفلسطيني للقانون.
وظهرت أصوات تطالب بتحرك شعبي فوري ضد القانون خاصة وأنه يتزامن مع موجة واسعة من الاعتداءات التي ينفّذها المستوطنون بصورة يومية ضد الفلسطينيين، وتشمل حرق البيوت والممتلكات والقتل وسرقة المواشي والتهجير تحت تهديد السلاح وغيرها.
وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان لها فور إقرار القانون: "آن الآوان للمجتمع الدولي أن يوقف علاقته مع ما يُسمى الكنيست الإسرائيلي، وأن يفرض عقوبات عليه وعلى أعضائه، وأن يسحب عضويته من الاتحاد البرلماني الدولي". واعتبرت الوزارة أن النظام القضائي الإسرائيلي والكنيست ليست سوى أدوات في يد الاحتلال لتكريس الجرائم ضد الشعب الفلسطيني وتعزيز الإفلات من العقاب لمجرمي الحرب".
طعون
وسارعت منظمة "حقوق المواطن في إسرائيل" ومنظمة "عدالة" إلى تقديم طعن في القانون لمحكمة العدل العليا التي لها الحق في البت بدستورية القوانين في إسرائيل، بما في ذلك تعديل أو إلغاء القوانين التي يقرها البرلمان في حال تناقضها مع النظام الأساسي للدولة.
الإلغاء
رجع الكثير من الخبراء في إسرائيل أن تقوم محكمة العدل العليا بإلغاء أو تعديل القانون بسبب التمييز الواضح بين اليهودي والفلسطيني، وذلك أن القانون ينطبق فقط على الفلسطيني.
وقال الدكتور جمال زحالقة رئيس هيئة المتابعة العليا لشؤون العرب في إسرائيل، العضو السابق في الكنيست لـ"الشرق": "يرجح غالبية الفقهاء في القانون في إسرائيل على أن محكمة العدل العليا ستلغي هذا القانون لأنه يفرض على القضاة الحكم بالإعدام، ولا يمنحهم خيار آخر سوى في حالات خاصة جداً، كما أنه يتناقض مع القانون الأساسي، وفيه تمييز عنصري صارخ ضد الفلسطينيين على أساس العرق".
القانون ينطبق على أي شخص في العالم
وينطبق القانون ليس فقط على الفلسطينيين وإنما على أي شخص في العالم قد يقوم بقتل إسرائيلي على خلفية المس بدولة إسرائيل، وفق ما أوضح لـ"الشرق" مدير مركز عدالة لحقوق الإنسان الفلسطيني في إسرائيل الدكتور حسن جبارين.
وقال جبارين: "للقانون وجهان، واحد خاص بالفلسطينيين تحت الاحتلال، والثاني ينطبق على أي شخص في العالم قد يفسر عمله على أن الهدف منه هو المس بوجود دولة إسرائيل".
وأشار جبارين إلى أن القانون يلزم القضاة بإصدار حكم الإعدام إلا في حالات خاصة جداً يصعب تفسيرها".
ورجح جبارين وهو من أبرز خبراء القانون في إسرائيل، أن تلغي محكمة العدل العليا القانون لسببين: الأول هو الخشية من تفاقم ردود الفعل الفلسطينية ضد الاحتلال، والثاني حرصها على سمعة إسرائيل الدولية.
وتابع: "أرجح أن تلغي المحكمة هذا القانون ليس إيماناً منها بحقوق الإنسان الفلسطيني وإنما لأن الدولة العميقة في إسرائيل ترفضه لأنها تعرف نتائجه السلبية على إسرائيل أمنياً وسياسياً".
سياسة الإعدامات في إسرائيل
ولدى إسرائيل قانون يمنح القضاة الحق في إصدار أحكام الإعدام، دون أن يجبرهم عليه، لكن إسرائيل امتنعت عن تطبيق هذا القانون ضد الفلسطينيين منذ الاحتلال، لأسباب سياسية منها رفض المجتمع الدولي خاصة أوروبا والغرب لمثل هذا الحكم على الفلسطينيين تحت الاحتلال، ومنها تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن وجود قانون من هذا النوع سيجعل الفلسطيني يرفض أي خيار آخر سوى الموت في حال المواجهة مع القوات الإسرائيلية لمعرفته بأن مصيره الموت في كل الأحوال، ومنها تحويل الأسرى الذين يتم إعدامهم إلى أبطال أسطوريين، ونشوء الرغبة في الثأر للضحايا وغيرها.
تغيرات في إسرائيل
وقال الدكتور جمال زحالقة إن التغيرات التي شهدتها إسرائيل في الأعوام الأخيرة جعلت من توجهات متطرفة من هذا النوع ممكنة، ومنها مشاركة تيارات الصهيونية الدينية، التي لا تؤمن بأي حق للفلسطيني، في الحكومة، وتولي شخصية من هذه التيارات قيادة جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) وغيرها.
إقرار القانون
وأقرت هيئة العامة للكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة هذا القانون الذي حمل اسم "قانون عقوبة الإعدام للمخربين لعام 2026"، الذي قدمته عضو الكنيست ليمور سون هار-ملك، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري ومجموعة من أعضاء الكنيست. وأيَّد المشروع 62 عضو كنيست مقابل معارضة 48، فيما امتنع عضو واحد عن التصويت.
وتم رفض تحفظات المعارضة على مشروع القانون.
نصوص القانون
ونص القانون، وفق ما نشر على موقع البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) على أن "يوجه وزير الدفاع، قائد قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة لتعديل أمر تعليمات الأمن الساري في منطقة يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، بحيث يفرض على من يتسبب عمداً في مقتل إنسان بعمل إرهابي، عقوبة الإعدام..".
ونص كذلك على أن صلاحية المحكمة العسكرية لفرض هذه العقوبة ليست مشروطة بطلب من النيابة، ولا بقرار إجماعي من هيئة القضاة، وألا يكون قائد قوات الجيش في المنطقة مخولاً بالعفو أو تخفيف أو استبدال عقوبة الإعدام الصادرة بموجب هذا القانون".
كما نص على تعديل قانون العقوبات بحيث "يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من يتسبب في مقتل إنسان بهدف تقويض وجود دولة إسرائيل في ظروف عمل إرهابي".
ونص أيضاً على أن يتم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً خلال 90 يوماً من تاريخ صدوره، مع منح رئيس الوزراء صلاحية طلب تأجيل التنفيذ لأسباب خاصة، لفترة تراكمية لا تتجاوز 180 يوماً.
كذلك نص على تعديل قانون الحكومة بحيث لا تكون الحكومة مخوّلة بالإفراج عن شخص أُدين أو يشتبه به أو متهم بجرائم عقوبتها الإعدام. كما نص على تعديل أنظمة مصلحة السجون لتحديد ترتيبات احتجاز المحكوم عليهم بالإعدام في العزل، وتقييد الوصول إليهم، والحفاظ على سرية تنفيذ الحكم.
وجاء في شرح مشروع القانون: "ينص قانون العقوبات لعام 1977 على عقوبة السجن المؤبد لجريمة القتل. إلا أن التجربة تظهر أن هذه العقوبة لا تردع المخربين، إذ يفترض كثير منهم أن مدة سجنهم ستخفض بشكل كبير ضمن صفقات تبادل الأسرى. وقد عاد العديد منهم إلى ممارسة الإرهاب بعد الإفراج عنهم. وبما أن عقوبة السجن لا تحقق الردع الكافي، يقترح أن تكون عقوبة مرتكبي عمليات القتل الإرهابية هي الإعدام، لما لذلك من أثر رادع ومنع لعمليات إرهابية إضافية".
مسارات التطبيق
يسري مفعول القانون في حال رفض محكمة العدل العليا الطعون التي قدمت لها.
وقال الخبراء إن مفعول القانون يسري على من يعتقل في هذه التهم بعد إقرار القانون وليس قبل ذلك.
المحكمة قبلت الالتماس
وقال الدكتور حسن جبارين إن محكمة العدل العليا قبلت النظر في الالتماس المقدم لها للطعن في القانون، وأنها طلبت من الكنيست تقديم الرد على ما جاء في الطعون وهو ما يشير إلى أنها تتجه إلى إلغائه.


0 تعليقات