مأساة النازحين في غزة بلا نهاية ... من القصف إلى الغرق..
لم يكن المنخفض الجوي الذي ضرب قطاع غزة مؤخرا مجرد حالة طقس عابرة، بل تحول إلى كارثة إنسانية جديدة كشفت حجم المأساة التي يعيشها مئات آلاف النازحين، بعدما اجتاحت مياه الأمطار خيامهم، وأغرقت ما تبقى من مقتنياتهم، وحاصرت عائلات بأكملها داخل مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية والإيواء.
وبينما كانت الأمطار والرياح تضرب الخيام المهترئة، وتدفع المياه إلى داخل أماكن النزوح، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام معركة جديدة من أجل البقاء، لا تقل قسوة عن مشاهد القصف والدمار، في ظل عجز فرق الإنقاذ عن تلبية غالبية نداءات الاستغاثة، ونقص حاد في المعدات والوقود والآليات اللازمة لمواجهة تداعيات المنخفض.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي أن مياه الأمطار غمرت نحو 70 ألف خيمة خلال 12 ساعة من بدء تأثير المنخفض، مقدرا الخسائر الأولية بنحو ثلاثة ملايين دولار.
وطالت الأضرار مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، فيما تسببت الأمطار والرياح بانهيار جدران ومبانٍ سبق أن تضررت جراء القصف الإسرائيلي.
من القصف إلى البرد.. معاناة لا تنتهي
وفي قراءة لأبعاد الكارثة، أكد رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، يوسف عجيسة، أن القطاع لا يزال يتعرض، وفق توصيفه، للإبادة الجماعية، لكن بأدوات وأشكال جديدة، بعدما أصبحت الأمراض والجوع والبرد وغرق خيام النازحين أخطارا يومية تهدد حياة مئات آلاف الفلسطينيين، في ظل استمرار الحصار وحرمان السكان من مقومات الحياة الأساسية.
وقال عجيسة إن مشاهد غرق الخيام مع أول منخفض جوي تكشف أن المأساة الإنسانية لم تتوقف، بل دخلت مرحلة جديدة، بات فيها من نجا من القصف والقتل مهددا بفعل البرد والأمراض وانعدام المأوى والرعاية الصحية.
وأوضح أن تداعيات الحرب لم تعد تقتصر على القصف المباشر وتدمير المنازل، بل امتدت إلى الظروف الضرورية لاستمرار الحياة، مع حرمان السكان من السكن الآمن والغذاء والمياه النظيفة والدواء، وتركهم في مواجهة الأمطار والرياح داخل خيام بالية لا توفر الحماية اللازمة.
آلاف الاستغاثات.. واستجابة محدودة
وعلى الأرض، عكست أرقام الدفاع المدني حجم الكارثة والضغط الذي تواجهه طواقم الإنقاذ، إذ أعلن تلقي 2166 نداء استغاثة من المواطنين وإدارات مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، لم يتمكن من الاستجابة سوى لـ218 منها، بسبب كثافة البلاغات ومحدودية الإمكانات.
ووصلت المياه في بعض المناطق إلى نحو متر ونصف، بعدما غمرت مناطق سكنية ومخيمات نزوح، فيما أشارت تقارير ميدانية إلى تلقي الدفاع المدني نحو 1500 نداء استغاثة خلال الساعات الأولى من المنخفض، مع اتساع رقعة المناطق المتضررة واستمرار هطول الأمطار.
وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة وقدرات فرق الطوارئ، التي تجد نفسها أمام آلاف البلاغات المتزامنة، في وقت لا تتوافر فيه الآليات والمعدات الكافية للوصول إلى العائلات المحاصرة بالمياه أو التعامل مع الانهيارات والحالات الطارئة.
مياه الصرف والأمراض.. خطر يهدد النازحين
ولا تتوقف المخاطر عند غرق الخيام وتلف الممتلكات، إذ حذر عجيسة من أن اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي وتراكم النفايات داخل مناطق النزوح المكتظة ينذران بتفاقم الأوضاع الصحية، ويرفعان احتمالات انتشار الأمراض المعدية والمعوية والجلدية.
وتزداد خطورة هذه الظروف في ظل تراجع قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة، نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وضعف الإمكانات المخصصة للطوارئ، ما يجعل التعامل مع أي تفشٍّ للأمراض أكثر صعوبة.
ويظل الأطفال وكبار السن والمرضى والنساء الحوامل الفئات الأكثر عرضة لهذه التداعيات، خصوصا مع انتشار سوء التغذية وتراجع المناعة وغياب وسائل التدفئة والملابس الشتوية والأغطية الكافية.
وأشار عجيسة إلى أن غرق الخيام وتشرد العائلات مجددا لا يمكن فصله عن حجم الدمار الذي لحق بالمنازل والبنية التحتية وشبكات الصرف الصحي، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال مواد الإيواء والإعمار والمعدات اللازمة لمواجهة المنخفضات الجوية.
مبان متضررة تنهار تحت الأمطار
وامتدت آثار المنخفض إلى المباني والمنازل التي أضعفتها الغارات الإسرائيلية خلال الحرب، إذ تسببت الأمطار والرياح بانهيارات جزئية في عدد من المنشآت، ما أضاف خطرا جديدا على السكان الذين اضطروا إلى الاحتماء في مبان متضررة أو آيلة للسقوط.
وأفادت تقارير ميدانية بانهيار أجزاء من مبان في مخيم النصيرات وحي الزيتون ووسط مدينة غزة، فيما جرى إجلاء سكان أحد المباني في النصيرات عقب تعرضه لانهيار جزئي.
وتواجه طواقم الدفاع المدني والبلديات صعوبات كبيرة في التعامل مع هذه الحوادث، في ظل نقص الوقود والآليات ومعدات شفط المياه، فضلا عن الدمار الذي أصاب الطرق وشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية خلال الحرب.
البلديات أمام إمكانات محدودة
وفي محاولة للحد من آثار المنخفض، تواصل طواقم بلدية غزة العمل على تصريف مياه الأمطار، مع التركيز على المناطق المنخفضة ومحيط مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، إلا أن نقص الآليات والمعدات وشح الإمكانات يحدّ من قدرتها على التعامل مع تجمعات المياه المتزايدة.
وناشدت البلدية المؤسسات الدولية توفير الوقود والزيوت ومعدات تصريف المياه ومستلزمات الإيواء، داعية المواطنين إلى الابتعاد عن المباني المتصدعة والمواقع الخطرة، والإبلاغ عن تجمعات المياه والحالات الطارئة.
وتبدو مهمة البلديات أكثر تعقيداً في ظل اتساع رقعة الدمار، وتضرر شبكات تصريف المياه، وتراكم الأنقاض والنفايات، وهي عوامل تجعل كل موجة أمطار اختبارا جديدا لقدرة ما تبقى من البنية التحتية على الصمود.
تحذيرات أممية من اتساع رقعة الكارثة
وعلى المستوى الإنساني، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" من المخاطر التي تواجه العائلات النازحة، لا سيما المقيمة في المناطق المنخفضة والمعرضة للفيضانات، وكذلك الأسر التي اضطرت إلى الاحتماء داخل مبان متضررة بفعل القصف.
وأشار المكتب إلى أن مخزونات المساعدات المتاحة لا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة، مطالبا بتسهيل إدخال مستلزمات الشتاء والآليات الثقيلة وقطع الغيار والزيوت اللازمة لتشغيل المركبات والمولدات، إلى جانب توفير تمويل عاجل للاستجابة الإنسانية.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية في ضوء تقديرات أممية سابقة أشارت إلى أن نحو 950 ألف فلسطيني يعيشون في مواقع نزوح معرضة لمخاطر متوسطة أو مرتفعة للفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مناطق شديدة الخطورة، وفق بيانات سبقت المنخفض الأخير.
وفي سياق متصل، أشار عجيسة إلى أن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والبيوت المتنقلة والخيام ومعدات تصريف المياه تجعل النازحين أكثر عرضة لتداعيات المنخفضات الجوية، محذرا من أن استمرار هذه الأوضاع يحول كل موجة أمطار إلى تهديد جديد لحياتهم.
النساء والفتيات في مواجهة ظروف أشد قسوة
ولا تنفصل معاناة النساء والفتيات عن المشهد الإنساني المتدهور، إذ حذرت وزارة شؤون المرأة من تفاقم أوضاع النازحات، خصوصا الأرامل والنساء المعيلات لأسرهن، في ظل غرق الخيام ونقص المأوى الجاف والأغطية والملابس الشتوية والفراش والغذاء والأدوية.
وأوضحت الوزارة أن نحو 258 ألفا و927 أسرة نازحة تقيم في 2090 مركز إيواء، مطالبة بتوفير خيام مقاومة للأمطار وشوادر عازلة وبطانيات وملابس شتوية، والعمل على نقل الخيام المقامة في المناطق المعرضة للسيول إلى أماكن أكثر أماناً.
وكشفت البيانات أن عدد الأرامل في القطاع بلغ 64 ألفا و413، بينهن 28 ألفا و224 فقدن أزواجهن خلال الحرب، فيما ارتفع عدد الأسر التي تعيلها نساء إلى 86 ألفا و290 أسرة. كما يواجه نحو 702 ألف امرأة وفتاة انعداما حادا في الأمن الغذائي.
وتعكس هذه الأرقام جانبا من الأعباء الإضافية التي تتحملها النساء في مراكز النزوح، حيث تتداخل مسؤوليات إعالة الأسر ورعاية الأطفال والمرضى مع غياب الخصوصية ونقص الاحتياجات الأساسية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.
إغاثة مؤقتة لا تكفي لإنهاء المأساة
وأمام اتساع حجم الأضرار، شدد عجيسة على أن الحلول الإغاثية المؤقتة لم تعد كافية لمواجهة الكارثة، مطالبا بتدخل دولي استثنائي يتجاوز تقديم المساعدات الطارئة إلى معالجة الظروف التي تجعل السكان عرضة للمخاطر مع كل منخفض جوي.
ودعا الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والإنسانية إلى توفير مساكن مؤقتة ملائمة، وإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، وإدخال المعدات الثقيلة والمستلزمات الطبية، إلى جانب إنهاء الحصار وضمان تدفق المساعدات دون قيود.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير رسمية وحقوقية إلى أن حجم المساعدات التي تدخل القطاع لا يتجاوز نحو 18% من الاحتياجات المطلوبة وفق المنظمات الدولية، رغم أن البروتوكول الإنساني للمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار نصّ على إدخال 600 شاحنة يوميا، وسط اتهامات لإسرائيل بعدم الالتزام بهذه الترتيبات وتقليص أعداد الشاحنات.
وطالب عجيسة بتحويل التضامن الدولي مع غزة إلى إجراءات عملية تضمن إنقاذ حياة المدنيين، مؤكدا أن استمرار حرمان السكان من المأوى والغذاء والدواء ومستلزمات مواجهة الشتاء يبقيهم في مواجهة أخطار متجددة.
وهكذا، لم يكشف المنخفض الجوي عن حجم الأضرار التي لحقت بخيام النازحين فحسب، بل أظهر أيضاً هشاشة واقع الإيواء والطوارئ في القطاع، حيث تحولت الأمطار إلى مصدر خطر إضافي على عائلات أنهكتها الحرب وفقدت منازلها وممتلكاتها. وبين خيام غمرتها المياه، ومبانٍ تهددها الانهيارات، وفرق إنقاذ عاجزة عن تلبية آلاف النداءات، تتجدد معاناة الغزيين مع كل موجة برد، في ظل غياب المأوى الآمن واستمرار نقص مقومات الحياة.


0 تعليقات