نتنياهو أو آيزنكوت: ماذا سيحدث إذا تولى أحدهما رئاسة الحكومة المقبلة؟
يهدد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، باستمرار حروبهما، التي لم تتوقف، في إيران وغزة ولبنان وسورية، وذلك عشية انتخابات الكنيست، الثلاثاء المقبل، وانتخابات منتصف الولاية للكونغرس، الثلاثاء الذي يليه.
وضع نتنياهو وترامب في كلتا المعركتين الانتخابيتين سيئ، وتبشّر الاستطلاعات بأن نتنياهو لن يحصل على أغلبية في الكنيست تمكّنه من تشكيل حكومة وقد يخسر الحكم، والحزب الجمهوري سيفقد الأغلبية في الكونغرس لصالح الحزب الديمقراطي، ما قد يبشّر باحتمال متطرف بعزل ترامب، ورغم أن هذا الاحتمال مستبعد، إلا أن خسارة الجمهوريين من شأنها أن تجعل ترامب في وضع يصعب عليه تمرير قرارات هامة في الكونغرس، وتزيد احتمالات خسارة الجمهوريين لانتخابات الرئاسة بعد سنتين.
نتنياهو وترامب سيدفعان ثمن سياستهما، ورغم تأييد الإسرائيليين الواسع للحروب، الذي يصل إلى حد الإجماع فيما يتعلق بالحرب والإبادة الجماعية في غزة، إلا أن نتنياهو متهم من جانب خصومه بأنه يخوض "حربًا أبدية"، ومسؤول عن الإخفاقات التي أدت إلى هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وبأن سياسته أضعفت صورة إسرائيل في العالم وجعلتها دولة منبوذة.
نتنياهو حوّل نفسه من شخصية تتمتع بشعبية واسعة في إسرائيل إلى شخصية ضعيفة على المستوى الشعبي، بسبب رفضه تحمّل مسؤولية الإخفاقات الأمنية، ولكن هذا التحول بدأ قبل سنين من 7 تشرين الأول/أكتوبر بسبب محاكمته بتهم فساد وبسبب خطة "الإصلاح القضائي" التي تهدف إلى إضعاف جهاز القضاء وتسببت بانقسام كبير في المجتمع الإسرائيلي.
ترامب هو شخصية غير محبوبة في الولايات المتحدة منذ نهاية ولايته الرئاسية الأولى، لكن بعدها بأربع سنوات انتُخب لولاية رئاسية ثانية، بفضل دعم نتنياهو العلني له ولأسباب أخرى، وهو يحفظ هذا الدعم لدرجة أنه أعلن مؤخرًا عن دعمه "المطلق" لنتنياهو في الانتخابات الحالية للكنيست.
لكن في السنتين الماضيتين نجح ترامب في كسب معارضة معظم الجمهور الأميركي له، وأظهرت الاستطلاعات تراجع شعبيته إلى الحضيض، بسبب الحرب على إيران، وبسبب دعمه لإسرائيل وتحالفه مع نتنياهو في الحرب، رغم تراجع الأميركيين الكبير في تأييدهم لإسرائيل، بعد أن رفض الأميركيون بمعظمهم الحرب ولا يرون فيها أي مصلحة للولايات المتحدة واستاؤوا من تأثير نتنياهو عليه في كل ما يتعلق بالحرب.
"إنجازات عسكرية": إنجازات إستراتيجية
ماذا يريد نتنياهو من استمرار الحروب؟ يعتقد خبراء ومحللون أن إسرائيل حققت "إنجازات عسكرية" في السنوات الثلاث الماضية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، تتمثل بالإبادة الجماعية والدمار ومقتل الآلاف من مقاتلي حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى في غزة، والغارات في إيران وقتل إيرانيين كثيرين، في مقدمتهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، واستهداف منشآت حيوية، وقتل آلاف اللبنانيين وفي مقدمتهم أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، وتدمير القرى في جنوب لبنان واحتلاله، واحتلال منطقة واسعة في جنوب سورية وصولًا إلى أطراف دمشق.
لكن إسرائيل لم تحقق إنجازات إستراتيجية، ولم تحقق أيًا من أهدافها المعلنة للحرب، ولم تقضِ على حماس والفصائل الأخرى، ولم تُسقط النظام الإيراني ولم تقضِ على حزب الله، ولم تدمر قدرات حماس وإيران وحزب الله العسكرية، وفوق هذا كله، باتت إسرائيل دولة معزولة في العالم، إلى جانب توقعات خبرائها الاقتصاديين بأن مستقبلها الأمني والاقتصادي سيسوء أكثر إذا استمرت حروبها.
أما ترامب فقد حقق خسائر إستراتيجية جراء حربه الفاشلة على إيران، وإلى جانب بقاء النظام الإيراني على حاله، وتهديدات الحرس الثوري بالرد على أي هجوم أميركي، تسببت هذه الحرب بأزمة اقتصادية عالمية، وبارتفاع أسعار النفط وبأضرار لحقت بطرق التجارة البحرية، في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، التي تؤدي إلى رفع تكلفة النقل البحري ورفع أسعار البضائع.
فيما يتعلق بـ"الإنجاز العسكري" الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب، يعترف الجيش الإسرائيلي الآن بأن حماس عززت قوتها، ولن تلقي سلاحها وتستعد لاستمرار الحرب، وأن عصابات الحمائل العميلة لإسرائيل ضعفت، حسب صحيفة "هآرتس"، أمس.
وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس، بعثت حماس رسالة إلى إسرائيل بواسطة منسق الأمم المتحدة بالإنابة لعملية السلام، رامز الأكبروف، جاء فيها أن حماس مستعدة لتكرار هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر في أي مكان، سواء داخل إسرائيل أو الضفة الغربية أو في العالم.
إلا أن هذين التقريرين يشيران أيضًا إلى ذريعة إسرائيل لاستمرار الحرب، لكن إذا كانت قد فشلت في القضاء على حماس ونزع سلاحها حتى الآن، فكيف ستتمكن من تحقيق ذلك لاحقًا؟ وهل ستصعّد الحرب في الضفة الغربية مثلما فعلت في غزة؟ هل سنشهد موجات نزوح في الضفة كالتي شهدناها في أعقاب اجتياح مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس؟
إسرائيل منبوذة في العالم بسبب ممارساتها الإجرامية في الضفة الغربية أيضًا، واستخدامها إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين بشكل يومي، وحربها في الضفة من شأنها أن توسع العقوبات الأوروبية ضد المستوطنات والمستوطنين الإرهابيين إلى إسرائيل وحكومتها، وأن يفاقم ذلك أزمتها الاقتصادية المتوقعة، وأزمتها الأمنية بالأساس، فمن شدة استخدام إسرائيل للذرائع والمزاعم الأمنية قد تتحول إلى دولة بلا أمن.
وتواجه إسرائيل أزمة تعمقت في ظل الحرب، وهي هجرة الأدمغة، وحذّر تقرير لباحثين في جامعة تل أبيب، هذا الأسبوع، من أن "استمرار هذا الاتجاه من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض خطير في مخزون رأس المال البشري الماهر المتوفر للاقتصاد، الذي يشكل المورد الأساسي لدولة إسرائيل".
وأضاف الباحثون أن استمرار الحروب سيؤدي إلى ارتفاع في عدد المهاجرين، لكنهم أشاروا إلى أن "الحديث لا يدور عن هروب الأدمغة فقط وإضعاف الأبحاث والتطوير، وإنما عن ضرر حقيقي أيضًا بأمن ومناعة الدولة، فالقدرات الإسرائيلية العلمية والتكنولوجية في الهندسة والسايبر وعلوم الحاسوب هي عنصر هام في الأمن القومي، بدءًا من تطوير منظومات دفاعية متطورة وحتى قدرات سيبرانية".
لكن لا حلول لدى نتنياهو وترامب سوى الحروب، وهما في مأزق لأن أي تراجع من جانبهما يعني هزيمة مدوية لكليهما.
انتخابات الكنيست
المشكلة في إسرائيل عشية انتخابات الكنيست هي أن نتائجها ليست واضحة، وحسب الاستطلاعات، فإن معسكر نتنياهو لن يحصل على أغلبية 61 مقعدًا، وإنما على أقل من ذلك بعشرة مقاعد وربما أكثر، كما أن معسكر الأحزاب الصهيونية لن يحصل على أغلبية 61 مقعدًا، وإنما على أقل بستة مقاعد أو أكثر.
لكن هذه الصورة قد تتغير في حال لم تتجاوز أحزاب صغيرة تخوض الانتخابات لأول مرة نسبة الحسم، مثل حزب "عمخا يسرائيل" وقائمة "عناصر الاحتياط والاقتصادية"، لكن تجاوزهما نسبة الحسم سيقلب الصورة لمصلحة نتنياهو.
وهناك احتمالات أخرى، بينها أن يشكّل رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، حكومة أقلية وأن يصادق عليها الكنيست بدعم أحزاب عربية من خلال امتناعها عن التصويت، في حال كان عدد أعضاء الكنيست في أحزاب المعارضة الصهيونية أكبر من عدد أعضاء معسكر نتنياهو، وتعارض جميع أحزاب المعارضة الصهيونية مشاركة أحزاب عربية في حكومة تشكّلها رغم أن القائمة المشتركة على الأقل لا تطرح إمكانية كهذه.
احتمال آخر هو التوجه إلى انتخابات أخرى بسبب عدم وجود أغلبية لدى أي من المعسكرين وأن يبقى نتنياهو رئيس حكومة انتقالية، أو في حال شكّل آيزنكوت حكومة أقلية، تكون فترة ولايتها قصيرة مع محاولة سن قانون يمنع ترشح نتنياهو بسبب تهم الفساد التي يحاكم فيها، والهدف من تشكيل آيزنكوت حكومة أقلية هو ألّا يرأس نتنياهو حكومة انتقالية، وفي جميع الأحوال يتم التوجه إلى انتخابات جديدة.
حروب إسرائيل، وخاصة الحرب على غزة، ستستمر سواء بقي نتنياهو على رأس حكومة انتقالية أو شكّل آيزنكوت حكومة أقلية، لأن كلا هذين المعسكرين يعلنان ذلك، لكن في حالة نتنياهو، فإنه يُتوقع أن يعمل كرئيس لحكومة انتقالية وفقًا لمبدأ "عليّ وعلى أعدائي"، وأن يوسع الحروب في جميع الجبهات، بما في ذلك في الضفة الغربية، في محاولة لكسب تأييد أكبر في انتخابات لاحقة، خاصة أن الإسرائيليين مشحونون بالعداء للشعوب والأنظمة في هذه الجبهات.
ويعلن آيزنكوت أن الحرب على غزة ستستمر، وقال هذا الأسبوع إنه "بعد 18 شهرًا من تشكيل الحكومة، حماس لن تكون في غزة"، لكن الجيش الإسرائيلي لم يتغير، وإنما هو نفسه، وكذلك خططه العسكرية، ولم يتمكن من القضاء على حماس، وآيزنكوت نفسه كان عضوًا في كابينيت الحرب لمدة تسعة أشهر، بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولذلك فإن أقواله حول القضاء على حماس ليست سوى دعاية انتخابية.
الانتخابات والمجتمع العربي
القائمة الموحدة ستحصل على خمسة أو ستة مقاعد حسب الاستطلاعات، لكنها ليست قائمة موحدة ولا متجانسة، ومهما كانت قوة الشراكة بين منصور عباس ويوآف سيغالوفيتش، فإن هذه الشراكة ستتفجر مع استمرار حروب إسرائيل، لأن الموحدة ليست منصور عباس فقط، وسيكون هناك نواب آخرون فيها قد "يزلّ لسانهم" ويتحدثون ضد الحروب، وسيغالوفيتش الصهيوني، شأنه شأن سائر الصهاينة، لن يتفهم ذلك، وقد ينشق، فهو لم ينضم للموحدة حبًا بالإسلام والمسلمين بكل تأكيد.
القائمة التي تتحلى بوحدة حقيقية، وبالأساس بمسؤولية سياسية، هي القائمة المشتركة، وهي الوحيدة، ولا أحد غيرها، التي تعبّر عن تطلعات المجتمع العربي في الداخل. ماذا بمقدورها أن تفعل؟ أن ترفع صوت المجتمع العربي بالأساس، وهذا ليس بالأمر البسيط في دولة مثل إسرائيل، يغلب فيها الإقصاء والعنصرية ضد العرب.
المشتركة لن توقف حروب إسرائيل ولن تحل "الصراع" ولن توقف النزعات العنصرية الجارفة في المجتمع الإسرائيلي، لكنها سترفع صوت مجتمعها وتعبّر عنه فقط، وهذا أضعف الإيمان.
هذه هي الحقائق أمام المجتمع العربي: إما أن يُرفع صوته ويعبّر عن ضميره من خلال القائمة المشتركة، أو أن يكون مشلولًا بلا صوت لا تعبّر عنه القائمة الموحدة، فقد أصبحت مع سيغالوفيتش قائمة هجينة ولن تعبّر عن مواقف حرة، خلافًا للمشتركة.


0 تعليقات