في ملف الاحتجاجات ضد الحرب على غزة: المحكمة تكتفي بفترة الاعتقال السابقة لخليفة وجبارين


 أصدرت محكمة الصلح في حيفا، اليوم الإثنين، حكمها بحق الناشطين أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين من مدينة أم الفحم، مكتفيةً بفترة الاعتقال التي أمضاها كل منهما سابقًا، من دون فرض عقوبة سجن إضافية، إلى جانب إلزامهما بدفع كفالة مالية بقيمة 5 آلاف شيكل، والحكم عليهما بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ.



وشهدت المحكمة حضور عشرات المتضامنين مع جبارين وخليفة من مختلف البلدات العربية في الداخل.

وترافع عن جبارين وخليفة كل من المحامية أفنان خليفة، ومركز "عدالة" الحقوقي ممثلًا بالمحاميين هديل أبو صالح ود. حسن جبارين.


ويأتي الحكم بعد إدانة خليفة وجبارين في نيسان/ أبريل الماضي بتهمتي "التحريض غير المباشر على الإرهاب" و"التماهي مع منظمة إرهابية"، فيما برأتهما المحكمة من تهمة "التحريض المباشر على الإرهاب".

وتعود القضية إلى اعتقال الناشطين أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين في أعقاب مشاركتهما في مظاهرة سلمية نُظمت في مدينة أم الفحم يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، احتجاجًا على الحرب على قطاع غزة، وذلك بعد يومين من قصف المستشفى المعمداني. وبعد نحو ثلاثة أسابيع من اعتقالهما، قدمت النيابة العامة لوائح اتهام بحقهما نسبت إليهما تهم "التحريض المباشر على الإرهاب"، و"التحريض غير المباشر على الإرهاب"، و"التماهي مع منظمة إرهابية"، بحسب هيئة الدفاع.


وأضافت الهيئة أن الحكم جاء في ختام مسار قضائي استمر أكثر من عامين ونصف، واستند إلى هتافات سياسية رُددت خلال المظاهرة، من دون أن تتضمن، وفقًا للدفاع، أي دعوات إلى العنف أو أي ذكر لتنظيم إرهابي بموجب القانون الإسرائيلي. ورغم ذلك، شكلت هذه الهتافات أساسًا للملاحقة الجنائية التي انتهت اليوم بفرض عقوبات بحق المتهمين.

المرافعات القضائية

خلال إدارة الملف، عرض طاقم الدفاع أمام المحكمة مجموعة واسعة من الأدلة والشهادات التي شككت في الأسس التي استندت إليها النيابة العامة في تقديم لائحة الاتهام. واستمعت المحكمة إلى شهادات عدد من المعتقلين الذين شاركوا في المظاهرة ذاتها وأُفرج عنهم لاحقًا، حيث أكدوا طبيعتها الاحتجاجية والسياق الذي رُددت فيه الهتافات محل القضية. كما قدم الدفاع تسجيلات مصورة ومواد إعلامية أظهرت استخدام الهتافات نفسها في مظاهرات أخرى قبل وبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بما في ذلك فعاليات جرت بحضور الشرطة، من دون أن تُفتح تحقيقات أو تُقدَّم لوائح اتهام على خلفيتها.

وأظهرت الأدلة كذلك أن الهتافات ذاتها رددها عشرات المشاركين في مظاهرة أم الفحم، إلا أن السلطات لم تستدعِ أيًا منهم للتحقيق أو تتخذ بحقهم إجراءات قانونية، فيما واصلت ملاحقة أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين وحدهما، وهو ما اعتبره الدفاع جزءًا من تطبيق انتقائي للقانون.


كما استمعت المحكمة إلى شهادة الباحث والخبير في اللغة والثقافة العربية، البروفيسور يونتان ماندل من جامعة بن غوريون في بئر السبع، الذي تناول السياقات اللغوية والسياسية والتاريخية للهتافات موضوع القضية، مشيرًا إلى الإشكاليات المرتبطة بالترجمات والتفسيرات التي اعتمدتها النيابة العامة، وموضحًا أن عددًا من هذه الترجمات حمل طابعًا تجريميًا، وأن دلالات الشعارات لا يمكن فصلها عن سياقاتها السياسية والثقافية المتراكمة عبر عقود.

وإلى جانب ذلك، قدم طاقم الدفاع مواد أكاديمية وأبحاثًا وثقت الاستخدام التاريخي للهتافات في الخطاب السياسي الفلسطيني، مبينة أنها متداولة منذ عقود طويلة في المظاهرات والفعاليات الجماهيرية، واستُخدمت في سياقات سياسية واجتماعية متعددة من دون أن تشكل أساسًا لملاحقات جنائية مماثلة.

كما استجوب الدفاع المحققين الذين تولوا التحقيق مع خليفة وجبارين، وطرح أمامهم أسئلة تتعلق بطبيعة الهتافات موضوع الملف وسياقات استخدامها الواسعة في الداخل الفلسطيني على مدار سنوات طويلة، فضلًا عن أسباب عدم اتخاذ إجراءات مماثلة بحق مشاركين آخرين رددوا الهتافات نفسها. ولم تقدم السلطات، خلال المرافعات، تفسيرًا مقنعًا للفارق في التعامل بين المتهمين وغيرهما من المشاركين في المظاهرة أو في قضايا مشابهة. واستنادًا إلى مجمل هذه المعطيات، دفع طاقم الدفاع باتجاه إثبات وجود تطبيق انتقائي للقانون، كما أكد، خلال استجواباته، عدم وجود أي علم أو شعار أو هتاف يشير إلى منظمة مصنفة إرهابية.

ورغم مجمل الأدلة والشهادات والخبرات المهنية والأكاديمية التي عُرضت أمام المحكمة، انتهى الملف بإدانة أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين وفرض العقوبات المذكورة بحقهما. وتولى الدفاع عنهما المدير العام لمركز "عدالة"، المحامي د. حسن جبارين، والمحامية هديل أبو صالح من المركز، إلى جانب المحامية أفنان خليفة من صندوق المدافعين عن حقوق الإنسان (كزأ).

تعود القضية إلى مظاهرة سلمية نُظمت في مدينة أم الفحم يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، احتجاجًا على الحرب على قطاع غزة، وفي أعقاب قصف المستشفى المعمداني، حيث خرج المشاركون للتنديد بالحرب وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. وخلال المظاهرة، اعتقلت الشرطة 12 متظاهرًا، قبل أن تفرج عن معظمهم خلال فترة قصيرة، فيما أبقت على أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين قيد الاعتقال.

وفي 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، قدمت النيابة العامة لوائح اتهام بحق خليفة وجبارين نسبت إليهما تهم "التحريض على الإرهاب" و"التماهي مع منظمة إرهابية" على خلفية هتافات رُددت خلال المظاهرة، كما طلبت إبقاءهما رهن الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات القضائية.

وأمضى أحمد خليفة نحو أربعة أشهر في السجن قبل أن تأمر المحكمة العليا بالإفراج عنه في شباط/ فبراير 2024 بشروط مقيدة، فيما بقي محمد طاهر جبارين رهن الاعتقال الفعلي لنحو ثمانية أشهر، إلى أن قررت محكمة الصلح في حيفا الإفراج عنه في حزيران/ يونيو 2024. ولم تقتصر القيود على فترة الاعتقال الفعلي، إذ فُرضت على الاثنين لاحقًا شروط مشددة شملت الحبس المنزلي لفترات طويلة، والإبعاد عن مدينة أم الفحم، ومنع استخدام الإنترنت، ومنع مزاولة العمل والسفر إلى خارج البلاد، إلى جانب كفالات مالية وإجراءات رقابية استمرت لأشهر عديدة.

وفي 29 نيسان/ أبريل 2026، أدانت محكمة الصلح في حيفا خليفة وجبارين بتهمتي "التحريض غير المباشر على الإرهاب" و"التماهي مع منظمة إرهابية"، فيما برأتهما من تهمة "التحريض المباشر على الإرهاب". وجاء النطق بالحكم، اليوم، في ختام مسار قضائي استمر أكثر من عامين ونصف، دفع خلاله المتهمان أثمانًا باهظة على خلفية مشاركتهما في مظاهرة مناهضة للحرب وترديد شعارات سياسية.

وأثارت القضية، منذ بدايتها، مخاوف تتعلق بحرية التعبير والعمل السياسي للفلسطينيين في الداخل، في ظل استخدام قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016 لتجريم الخطاب السياسي والهتافات التي استُخدمت على مدار سنوات طويلة في المظاهرات الفلسطينية. وتندرج هذه القضية ضمن سياق أوسع من السياسات المتبعة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي شهدت تصعيدًا غير مسبوق في ملاحقة قضايا التعبير والرأي وتضييق الحيز السياسي المتاح.

وعقب مركز "عدالة" بالقول: "إن العقوبة الصادرة اليوم تأتي في ختام ملف كان من المفترض ألا يصل أصلًا إلى مرحلة الإدانة. فقد عرضنا أمام المحكمة أدلة وشهادات واسعة بيّنت الطبيعة السياسية لهذه الملاحقة، من خلال وضع الهتافات التي يقوم عليها الملف في سياقها التاريخي والسياسي، وإظهار أنها استُخدمت على مدار سنوات طويلة من قبل كثيرين دون أن تؤدي إلى ملاحقات جنائية. كما عرضنا معطيات واضحة تثبت التطبيق الانتقائي للقانون، سواء في التعامل مع المشاركين الآخرين في المظاهرة نفسها أو مع عشرات الحالات المشابهة في مظاهرات أخرى. ورغم ذلك، أدانت المحكمة الناشطين أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين".

"عرب ٤٨"

إرسال تعليق

0 تعليقات

تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.