عيد الأضحى في غزة: خيام تضيق بالفقد وذكريات تجددها التكبيرات


 عيد الأضحى في غزة: خيام تضيق بالفقد وذكريات تجددها التكبيرات

يعيش الكثير من أهالي غزة أيام عيد الأضحى تحت وطأة الفقد والنزوح، إذ لا تكاد تخلو خيمة من صورة شهيد أو مفقود، كما أن النزوح المستمر شتت العائلات بين مناطق مختلفة، وحرم كثيرين من "لمّة العيد"، ما يجعل المناسبة أقرب إلى حالة من الحزن الجماعي الممزوج بالصبر والدعاء.

تبدو ملامح عيد الأضحى في قطاع غزة قاسية، فبدلاً من الإقبال على شراء الأضحية والملابس الجديدة، تنتشر خيام باهتة تمتلئ بعشرات آلاف النازحين، وتنشغل العائلات بتأمين المياه والطعام، وفي حين يسعى البعض إلى توفير أجواء فرح، ولو بالحد الأدنى، يكتفي الأطفال بمراقبة تفاصيل لا تشبه الأعياد التي عرفوها سابقاً.
تخلو الشوارع من مظاهر البهجة المعتادة، فلا زينة تملأ الطرقات، ولا تسمع أصوات باعة الحلويات والألعاب، حتى إن الأسواق التي تعمل جزئياً تبدو مرهقة وفقيرة في ظل الغلاء الحاد، ونقص المواد الأساسية، وانعدام القدرة الشرائية لدى غالبية الأهالي الذين فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم.
رغم ذلك، تحاول الأمهات داخل الخيام ومراكز الإيواء التخفيف عن أطفالهن بطرق بسيطة، فبعضهن يشترين قطع ملابس جديدة متواضعة، وأخريات يصنعن قطعاً من كعك العيد بما توفر. أما الأطفال، فإنهم يبتكرون ألعاباً من الورق والبلاستيك وبقايا المواد المتوفرة داخل المخيمات، في حين يحاول الآباء إخفاء شعورهم بالعجز عن تلببية احتياجات أبنائهم.
تقول الفلسطينية سعاد أبو شمالة، وهي نازحة من حي الصفطاوي شمالي مدينة غزة: "كنا نبدأ التجهيزات قبل أسبوعين من حلول العيد، واليوم نفكر كيف سنحصل على الماء والطعام وأبسط الاحتياجات الأساسية. أنا أم لخمسة أطفال، ونعيش داخل خيمة في وسط مدينة غزة. لم يعد عيد الأضحى يشبه الأعياد التي عرفتها العائلات الفلسطينية سابقاً، فقد بدلت الحرب كل تفاصيل الحياة".
وتضيف : "قبل الحرب، كنا ننظف البيت، ونشتري الزينة والملابس، ونخبز الكعك مع الجارات والقريبات، وكان الأطفال ينتظرون العيد بفرحة. اليوم، لا بيت، ولا مطبخ، ولا حتى مكان آمن نشعر فيه أننا نعيش حياة طبيعية. كان العيد مناسبة للّمة العائلية، والتزاور، وتبادل لحوم الأضاحي، لكن الحرب فرقت أفراد العائلات بين النزوح والاستشهاد، وأصبح العيد مجرد ذكرى نحاول التمسك بها. أكثر ما يؤلمني هو رؤية أطفالي من دون مظاهر العيد. يسألونني عن الملابس الجديدة، والكعك، والزيارات، ولا أملك إجابات. بالكاد نحاول توفير الطعام والمياه داخل المخيم".
بدورها، نزحت الفلسطينية علياء السويركي من حي الزيتون شرقي مدينة غزة، وتتحدث عن محاولات النساء الحفاظ على بعض مظاهر العيد رغم الظروف القاسية داخل المخيمات، إذ يصنعن كميات صغيرة من الكعك باستخدام ما يتوفر من مكونات. وتقول : "في السابق، كنا نعد كعك العيد بكميات كبيرة، ونجتمع في بيت والدتي أو شقيقاتي لتجهيزه، وكان الأمر يحمل فرحة خاصة. اليوم، نصنع القليل حتى لا يشعر الأطفال أن العيد اختفى".

وتتابع السويركي: "الحياة داخل الخيام صعبة، فلا يوجد مكان للطبخ أو التحضير، والحفاظ على النظافة أمر مرهق بسبب نقص المياه، والأطفال يعيشون حالة حرمان كبيرة، إذ كانوا في السابق يرتدون الملابس الجديدة، ويخرجون للعب، وزيارة الأقارب، بينما الآن يعيشون في ظل الخوف والزحام والحر الشديد داخل المخيمات. كل شيء تغير، حتى إننا نستقبل المناسبات بفرحة منقوصة، والعيد أصبح مناسبة تختلط فيها مشاعر الحنين بالحزن، فكل خيمة تقريباً فيها شهيد أو جريح أومفقود".
ويعيد هذا الواقع القاسي إلى أذهان الفلسطينيين في غزة صورة الأعياد التي سبقت الحرب، حين كانت العائلات تبدأ استعداداتها قبل أسابيع من حلول عيد الأضحى، وكانت الأسواق تزدحم بالمتسوقين، وتفوح من البيوت روائح الكعك والتوابل، وتنشغل العائلات بشراء الملابس الجديدة، وتحضير الأضاحي، وترتيب تفاصيل الزيارات العائلية، وغيرها من الطقوس الاجتماعية والدينية التي تصنع الفرح، وتمنح ذكريات لا تنسى. كل تلك الطقوس اختفت، وتحولت أولويات الناس نحو تأمين الاحتياجات الأساسية، ومحاولة النجاة في ظل ظروف إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة.
ويستحضر كثيرون تفاصيل الأعياد الماضية بحنين كبير، متذكرين أصوات التكبيرات فجراً، وروائح القهوة والكعك، وحركة الأطفال في الشوارع، واجتماع العائلات حول موائد طعام العيد، بينما يفتقد كثيرون البيت بكل ما يحمله من شعور بالأمان والاستقرار والدفء العائلي.
يقول الخمسيني الفلسطيني سالم صبيح، وهو نازح من حي الشجاعية، إنه يفتقد صوت تكبيرات العيد التي كان يسمعها من شرفة بيته قبل الخروج إلى المصلى، ويفتقد رائحة القهوة في صباح يوم العيد. ويضيف : "أكثر ما يوجعني في العيد الحالي هو فقدان البيت، وهو أساس كل تفاصيل العيد وذكرياته، فالعيد من دون بيت بلا طعم. كنت أستيقظ فجراً على صوت التكبيرات، وأشرب القهوة مع أبنائي قبل صلاة العيد، ثم تبدأ الزيارات العائلية بعد الصلاة. نعيش حالياً داخل خيمة بالكاد تحمينا من حر الصيف".


ويستذكر صبيح: "كنا نشتري الأضحية قبل العيد بعدة أيام، وكان الأطفال يفرحون بها، ويعتبرونها جزءاً من الاحتفال، وكانت اللحوم توزع على الأقارب والجيران، ويشعر الجميع بروح التكافل، أما الآن، فلا توجد أضاحٍ، ولا حتى قدرة على شراء أبسط الاحتياجات. الحرب لم تسلب الناس ممتلكاتهم فقط، بل سرقت شعورهم بالأمان والاستقرار، ومعظم الناس فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم، وأصبح همّهم البقاء على قيد الحياة، لذلك اختفت فرحة العيد تحت ثقل النزوح والخسائر".
وكانت الأضاحي أحد أبرز معاني عيد الأضحى في غزة، وهي مرتبطة بالتكافل الاجتماعي، وفي الأعوام الماضية، كانت الأحياء تشهد توزيع لحوم الأضاحي وتبادلها بين الأقارب والجيران، فيما تمتلئ الموائد بالطعام، وتُفتح البيوت لاستقبال الضيوف، أما اليوم، فإن نقص المواشي، وارتفاع أسعار المتوفر منها، إضافة إلى إغلاق المعابر، وتدهور الأوضاع المعيشية، كل هذا جعل الأضحية حلماً بعيد المنال بالنسبة لغالبية الأسر.
يقول الفلسطيني محمود طليب، وهو أب لثلاثة أطفال من مدينة غزة، إن عائلته كانت تنتظر العيد سنوياً، بينما يحاول أفرادها اليوم عدم الخضوع لمشاعر اليأس والإحباط مع فقدان الشعور ببهجة المناسبة. ويوضح  أن "العيد قبل الحرب كان يحمل معنى مختلفاً تماماً بالنسبة للعائلات الفلسطينية، إذ كان يمثل فرصة للهروب من ضغوط الحياة، ومن الحصار المفروض على القطاع، ولو لأيام قليلة. كنا نجهز الملابس، ونشتري الحلويات، ونزور الأقارب، وكانت الشوارع مليئة بالحركة والبهجة. الآن، كل العائلات منشغلة بتأمين الاحتياجات الأساسية".

ويشير طليب إلى أن "فقدان مصادر الدخل جعل الكثير من الآباء عاجزين عن توفير أبسط متطلبات العيد، ومن أصعب المشاعر أن ترى أبناءك ينتظرون فرحة لا تستطيع تأمينها لهم. حتى الزينة التي كانت تملأ الشوارع اختفت، لأن الناس لم تعد تملك القدرة النفسية أو المادية على الاحتفال، فالأولوية أصبحت لتأمين الطعام والنجاة. يفتقد الناس الشعور بالحياة الطبيعية، فالعيد كان يعني البيت والدفء واللمة العائلية والأمان، لكن الحرب سلبت منا كل هذه الأشياء، وأصبح العيد يحمل الكثير من الحزن والحنين أكثر من الفرح".
ومع حلول عيد الأضحى، تزايدت شكاوى العائلات الفلسطينية النازحة من قلة المساعدات الإنسانية، وعدم انتظام وصولها، الأمر الذي يفاقم معاناة الأسر التي تعتمد بشكل شبه كامل على ما تقدمه المؤسسات الإغاثية في ظل انعدام مصادر الدخل.
يقول النازح سعيد زهد  إن "المساعدات الغذائية تصل بصورة متقطعة، وهي غير كافية، فيما تحرم عائلات كثيرة من الحصول عليها لأيام أو أسابيع بحجة نقص الكميات أو محدودية الإمكانات. حلول عيد الأضحى يتزامن مع فقدان الناس مصادر دخلهم، في ظل غياب عدالة توزيع المساعدات الإنسانية، وغالبية الأسر فقدت منازلها وعائلها، وبقيت من دون أي دعم فعلي".
ومع اتساع رقعة الاحتياجات، تستقبل كثير من العائلات العيد من دون القدرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وسط شعور متزايد بالخوف من استمرار الأزمة الإنسانية من دون حلول حقيقية. في حين يحاول كثيرون التمسك بما تبقى من روح العيد، إذ لم تعد المناسبة مرتبطة بالمظاهر والاحتفالات بقدر ما هي محاولة للحفاظ على التماسك النفسي، ومنح الأطفال شيئاً من الأمل وسط الركام والخيام والخسارات الكبيرة.

العربي الجديد

إرسال تعليق

0 تعليقات

تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.