طالبت النيابة العامة، الأربعاء، محكمة الصلح في مدينة الناصرة بفرض عقوبة السجن الفعلي على الشيخ كمال خطيب من بلدة كفر كنا لمدة تتراوح بين 36 و42 شهرا، وذلك على خلفية إدانته بتهمة "التحريض على الإرهاب والعنف".
وشهدت جلسة المرافعات الأخيرة التي سبقت تحديد موعد النطق بالحكم، العشرات من أقارب الشيخ خطيب والمتضامنين معه، إلى جانب شخصيات سياسية واجتماعية. وترافع عنه مركز "عدالة" الحقوقي ممثلا بمديره د. حسن جبارين، وقد أدلى الشيخ كمال خطيب بشهادته أمام المحكمة.
وكانت المحكمة قد دانت خطيب بتهمة "التحريض على الإرهاب والعنف"، وبرأته من تهمة "التماهي مع منظمة إرهابية"، وتتعلق التهم بمنشورين نشرهما على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وخطبة ألقاها في فعالية للجنة المتابعة خلال أحداث هبة الكرامة في أيار/ مايو 2021.
وقال مدير مركز "عدالة" الحقوقي، د. حسن جبارين، إن "المحكمة والطاقم الدفاعي تفاجأوا من طلب النيابة فرض عقوبة سجن فعلي تتجاوز 30 شهرًا بحق الشيخ كمال الخطيب، على خلفية ثلاثة منشورات قصيرة نُشرت قبل خمس سنوات، إذ أن الطلب مبالغ فيه وانتقامي ويشكّل سابقة غير معهودة حتى في أصعب الملفات".
وأضاف أن "هيئة الدفاع عرضت أمام المحكمة قرارات قضائية سابقة، بينها ملفات ليهود صدرت بحقهم أحكام أخف رغم مضامين أخطر"، مؤكدا أن "الشيخ كمال بعيد أخلاقيا ودينيا وإنسانيا عن تلك المضامين، وأن الدفاع يرفض التمييز في التعامل مع القضية".
وأشار جبارين إلى أن "قرار الإدانة استند إلى الأجواء العامة للأحداث التي نشرت المنشورات خلالها، أي فترة أحداث هبة الكرامة في أيار/مايو 2021، وليس إلى الكلمات نفسها، إذ أن أي طالب حقوق يقرأ القرار لن يجد ما هي الكلمات المخالفة للقانون. تصريحاته جاءت ضمن حرية التعبير، وتركزت على انتقاد عنف الشرطة والمستوطنين والدفاع عن المسجد الأقصى".
وأكد أن "طاقم الدفاع سيستأنف على الحكم مهما كانت النتيجة، حتى لو اكتفت المحكمة بغرامة رمزية، لأن الإدانة بحد ذاتها ستكمّم أفواه العرب وتمنع أي خطاب يتعلق بالأقصى أو النكبة أو انتقاد الشرطة".
وقال المحامي من طاقم الدفاع، رمزي اكتيلات، إن "موقف النيابة في قضية الشيخ كمال خطيب يعتبر تجنيا بحق المجتمع العربي بأسره، إذ يتم تجريم خطاب سياسي وديني يرافق المجتمع العربي منذ عقود ويُعد خطابا مشروع، وعادت النيابة اليوم لتكرّس هذا النهج من خلال مطالبتها بفرض عقوبة انتقامية".
وأشار اكتيلات إلى أنّ "طلب النيابة يفتقر لأي أساس قانوني أو سوابق قضائية مشابه، فقد عرضنا اليوم أمام المحكمة ملفات لحاخامات يهود صدرت بحقهم أحكام مخففة رغم دعمهم للإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين. ذلك يعكس سياسة التعامل بمكيالين وبشكل غير موضوعي وانتقامي تجاه الشيخ خطيب وما يمثله من مواقف مرتبطة بقضايا المجتمع العربي والفلسطيني".
وقال الشيخ كمال خطيب، إنه "أبدأ غدا عامي السادس في الملاحقة القضائية منذ اعتقالي في أيار/ مايو 2021، وشهدت القضية سلسلة إجراءات شملت السجن والإبعاد عن المنزل ومنعي من الخطابة، إلى جانب أكثر من 50 جلسة محكمة، كل ذلك جاء بسبب موقفي الرافض للظلم الواقع على الشعب الفلسطيني والانتهاكات بحق المسجد الأقصى، وأنا اليوم غير نادم ولا آسف على أي كلمة أو موقف صدر عنه".
وانتقد خطيب طلب النيابة فرض السجن الفعلي لمدة 30 شهرا، معتبرا أنّ "الهدف ليس معاقبتي شخصيا، بل معاقبة كل من يتبنى هذا الموقف من أبناء الداخل الفلسطيني". ودعا المواطنين العرب إلى عدم التراجع أمام الملاحقة والاعتقال، والاستمرار في شد الرحال إلى المسجد الأقصى، محذّرا من الدعوات لاقتحامه يوم الجمعة المقبل تزامنا مع ذكرى النكبة.
يشار إلى أن لائحة الاتهام شملت منشورا على "فيسبوك" يوم 19 نيسان/ أبريل 2021، جاء في سياق الاعتداءات التي نفذتها الشرطة الإسرائيلية على شخصيات معروفة في مدينة يافا آنذاك، وقد تضمن المنشور تنديدا بالعنف الممنهج الذي تمارسه الشرطة بحق النشطاء وتسليطا للضوء على الاعتداءات التي استهدفت القيادات المحلية.
أما المنشور الثاني فنشر على "فيسبوك" يوم 25 نيسان/ أبريل 2021، واحتوى على تحليل تاريخي وسياسي حذر فيه الشيخ كمال خطيب من أن التحريض المتصاعد والانتهاكات الممنهجة بحق الفلسطينيين واقتحامات المسجد الأقصى المتكررة، قد تخلق مناخا يعيد إلى الأذهان ثورة البراق من عام 1929، وما رافقها من سقوط ضحايا بين العرب واليهود نتيجة التوترات التي غذتها جهات متطرفة، وقد حمل خطيب في منشوره المؤسسة الإسرائيلية المسؤولية عن تهيئة الأجواء لتكرار هذا السيناريو العنيف، محذرا من النتائج الكارثية لمثل هذا المسار.
كما شملت لائحة الاتهام خطبة ألقاها الشيخ كمال خطيب خلال فعالية نظمتها لجنة المتابعة العليا في 11 أيار/ مايو 2021، حيا خلالها جموع المصلين توافدوا إلى المسجد الأقصى للاعتكاف والصلاة، في محاولة لحمايته من اقتحامات الشرطة والمستوطنين، وبارك جهودهم ومواقفهم.
وادّعت النيابة العامة، أن هذه المنشورات "تمثل دعمًا لمنظمات إرهابية وتحريضا على أعمال عنف"، في سياق الأحداث التي شهدتها البلاد خلال تلك الفترة، وزعمت أن أقواله قد تسهم في "إشعال الأوضاع الأمنية والتحريض على العنف ضد الدولة وقواتها الأمنية".
وأصرت حينها على الاعتقال الفعلي حتى انتهاء الإجراءات القانونية، وهو ما رد عليه طاقم الدفاع المؤلف من مركز "عدالة" الحقوقي ومؤسسة "ميزان" باستئناف للمحكمة المركزية. وبعد قرابة الشهر، ألغت المحكمة قرار الاعتقال في تاريخ 20 حزيران/ يونيو 2021، وأفرجت عن خطيب بشروط مُقيّدة، شملت منعه من الخطابة، التجمع، واستخدام الإنترنت لمدة 90 يومًا، إضافة إلى كفالة مالية والإبعاد عن بلدته الأم لمدة 45 يومًا.


0 تعليقات