لبنان | إسرائيل توسّع خروقها للهدنة وبيروت تجهّز نفسها للتفاوض
تتكثف الاتصالات السياسية الدبلوماسية على خطّ المسؤولين في لبنان من أجل الحفاظ على الهدنة مع إسرائيل وتمديدها، إفساحاً في المجال أمام تحضير الملف التفاوضي، ومعالجة سلاح حزب الله، وسط مخاوف تبقى قائمة من سقوط اتفاق وقف النار، ربطاً باستمرار خروقات الجيش الإسرائيلي ، وبتطورات المفاوضات الإيرانية الأميركية التي من شأنها أن تنعكس أيضاً على الميدان اللبناني.
ومنذ دخول "هدنة العشرة أيام" حيّز التنفيذ منتصف ليل الخميس الجمعة، سُجِّلت خروق عدّة للجيش االإسرائيلي، كلها بزعم إزالة تهديدات لحزب الله ومواجهة نشاطاته، سواء على صعيد الطلعات الجوية فوق الجنوب، أو على مستوى توسعة عمليات الهدم والتفجير والنسف الممنهجة للقرى الحدودية، ومن أبرزها، حرق منازل في بلدة القنطرة، تفجيرات في بلدة دير سريان، نسف في بلدة ميس الجبل، تدمير منازل في مدينة بنت جبيل، قصف لبلدتي كونين وتل نحاس وأطراف بلدة ديرميماس، تفجير منازل في بلدات البياضة والناقورة ومركبا والطيبة والخيام، وجرف مداخل فرعية فيها، واستهداف دراجة نارية في بلدة كونين، ما أسفر عن استشهاد السائق.
كذلك، وعلى غرار الخط الذي يفصل قواته في قطاع غزة، أعلن الجيش الإسرائيلي إقامة "خطّ أصفر" فاصل في الجنوب اللبناني، بحيث يمنع عودة السكان نحو 50 بلدة جنوبية. كما نشر الجيش الإسرائيلي، أمس الأحد، تفاصيل ما سماه نطاق خط الدفاع الأمامي الذي تعمل فيه قواته في الجنوب، "لمنع تهديد مباشر على بلدات الشمال"، مشيراً إلى عمل خمس فرق عسكرية، إلى جانب قوات سلاح البحرية بشكل متزامن جنوب خط الدفاع الأمامي في جنوب لبنان، زاعماً أن ذلك يأتي بهدف تدمير بنى تحتية تابعة لحزب الله في المنطقة، ومنع تهديد مباشر على بلدات الشمال.
ميدانياً أيضاً، تعرّضت صباح السبت دورية تابعة لليونيفيل، كانت تقوم بتطهير طريق من المتفجرات لإعادة فتحه نحو مواقع القوة المعزولة، لإطلاق نار من أسلحة خفيفة من جهات غير حكومية، يُزعم أنها حزب الله، مما أسفر عن مقتل رقيب أول وإصابة ثلاثة آخرين، اثنان منهم بجروح خطيرة، بحسب ما أعلنت "اليونيفيل" في بيان، مؤكدة فتحها تحقيقاً لتحديد ملابسات الحادث، وذلك في وقتٍ نفى حزب الله مسؤوليته، بينما زعم الجيش الإسرائيلي أن عناصر من الحزب هم من أطلقوا النار على القوة، استناداً إلى ما وصفه بـ"تحقيق عملياتي واستخباراتي".
في المقابل، يترقب حزب الله هذه التطورات، مواصلاً دعوة الأهالي إلى التريث وعدم الاستقرار حيث عادوا، ما تُرجم بعودة العديد من النازحين إلى بيروت بعدما توجّهوا في الساعات الأولى لسريان الهدنة إلى الجنوب، الأمر الذي طرح علامات استفهام عدّة حول ما إذا كان الحزب سيردّ على هذه الخروق، خاصة أنه أكد رفضه العودة إلى ما كان عليه الوضع باتفاق نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وأن أيادي عناصره على الزناد.
حزب الله: غير معنيين بورقة التفاهم الأميركية
ويقول مصدر نيابي في حزب الله لـ"العربي الجديد"، إن "الحزب لن يقبل بالعودة إلى ما كان عليه الوضع خلال فترة 15 شهراً، أي قبل 2 مارس/ آذار، وهو يتابع التطورات، والمقاومة موجودة في الميدان، وبحالة تأهب وجهوزية"، مشدداً على أن "المطلوب بات معروفاً، بضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية بكافة أشكالها، سواء الجوية أو البحرية أو البرية، وانسحاب إسرائيل من كل المناطق التي تحتلها، والإفراج عن الأسرى، وبدء مسار إعادة الاعمار، وهذه العناوين التي على الدولة اللبنانية التمسّك بها".
ويشير المصدر إلى أن "حزب الله غير معني بورقة التفاهم التي نشرتها الخارجية الأميركية، وبالتنازلات الفاضحة التي قدّمتها السلطة اللبنانية، وتخلّت فيها عن حقها بالدفاع عن نفسها، بينما منحت للإسرائيلي الحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقتٍ، والمقاومة لن تسكت على ذلك طويلاً"، مشدداً على أن "إسرائيل تحاول اليوم فعل ما عجزت عن تحقيقه في الميدان البرّي في ظلّ عمليات التصدي التي قامت بها المقاومة، وعلى السلطة اللبنانية التي ترفع شعار السيادة أن تعمل على تحقيقه أولاً بإخراج المحتل من أراضيها، بدل التخلي والتنازل عن حقوقها".
كذلك، يقول المصدر إن "التواصل مقطوع حالياً مع الرئيس جوزاف عون، ونحن نترقب كذلك الحراك السياسي، في ظلّ تمسّكنا برفض التفاوض المباشر، مكرّرين الانفتاح على بحث موضوع السلاح لكن ضمن استراتيجية واضحة، وبالداخل اللبناني، لا في إطار ضغوطات خارجية، وإملاءات لا نقبل بها".
وفي المسار السياسي الدبلوماسي، أعلنت رئاسة الوزراء اللبنانية أنه "بدعوة من الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، يتوجّه رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى لوكسمبورغ للقاء وزراء خارجية الاتحاد يوم الثلاثاء، وبعد ذلك، سوف يجتمع في باريس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون". وتأتي هذه الزيارة لبحث آخر التطورات في لبنان والمنطقة، ومسار وقف إطلاق النار المؤقت، وحادثة اليونيفيل، التي تتهم فيها فرنسا حزب الله بالوقوف وراءها، وتؤكد السلطات اللبنانية أنها متمسكة بإجراء تحقيقاتها وكشف ملابسات ما حصل، وستكون مناسبة لتؤكد فرنسا فيها دعمها للدولة اللبنانية، والخطوات التي تقوم بها، وتكرر استعدادها دعم لبنان، علماً أن الدور الأكثر تأثيراً اليوم هو لأميركا، التي تتمسّك بقيادتها وحدها للتفاوض المباشر، في وقتٍ ترفض إسرائيل إشراك فرنسا فيها، كما حاولت إخراجها من لجنة الميكانيزم (مراقبة تنفيذ وقف العمليات العدائية) قبل توسع العدوان في 2 مارس، وتعليق اجتماعاتها.
حراك مكثف في لبنان لتجهيز وفد التفاوض
وتقول مصادر رسمية لبنانية لـ"العربي الجديد"، إن "حراكاً مكثفاً يقوده المسؤولون اللبنانيون على أكثر من خطّ عربي ودولي وخاصة أميركي، من أجل الحفاظ على الهدنة وتمديدها، لأن هناك ملفات تحتاج إلى وقت، لكن لبنان ماضٍ بمعالجتها، وجدّي بهذا المسار"، لافتة إلى أن "هناك خوف طبعاً من سقوط الهدنة، لكن في الوقت نفسه، هناك جهود كبرى تبذل، ولا سيما أميركية من أجل الحفاظ عليها، ونحن نعوّل على ذلك". وتلفت المصادر إلى أن "لبنان على تواصل وتنسيق مستمرّ مع الأميركيين والأوروبيين والأخوة العرب، وهو يحضّر تشكيلة الوفد الذي سيذهب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، والثوابت اللبنانية، والتي تحدث عنها الرئيس جوزاف عون في رسالته إلى اللبنانيين، ليل الجمعة، خاصة على صعيد التمسّك بحقوق لبنان والشعب اللبناني، ورفض المسّ بهما، ووقف العدوان بكافة اشكاله على لبنان، وانسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم وبيوتهم، إلى جانب ملف ترسيم الحدود، مع الإشارة إلى أن من الأمور التي سيطرحها لبنان أيضاً على الطاولة، مرحلة ما بعد انتهاء مهام اليونيفيل أواخر عام 2026، وضرورة تقديم الدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية للقيام بمهامها، مع إطلاق مسار إعادة الإعمار".
وبشأن المخاوف من تدهور الوضع الداخلي في لبنان، خاصة في ظلّ المواقف الرافضة للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وإمكان انعكاس ذلك على الشارع اللبناني، تقول المصادر إن "المخاوف موجودة طبعاً، لكن هناك جهود كبرى تُبذل لمواجهة ذلك، على مستويين، الأول سياسي، وهنا يلعب رئيس البرلمان نبيه بري دوراً كبيراً به، وكذلك الدول الصديقة، ولا سيما السعودية، إلى جانب المستوى الأمني، حيث إن الأجهزة الأمنية موجودة وعلى تنسيق مستمرّ ودائم للحفاظ على الأمن والسلم الأهلي، خاصة أنّ عون حريص على هذا الموضوع، ويدرك خطورة الوضع وحساسيته، ولذلك هو يقارب الملف كله منذ البداية من منطلق ضرورة الوحدة والتعاون والحفاظ على السلم الأهلي".
وحول ما إذا كان عون سيلبي دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، للاجتماع مع رئيس الحكومة الإسرائيليه بنيامين نتنياهو، وما إذا كان عون لمّح إلى ذلك في كلمته الجمعة، بإشارته إلى أنه "مستعد للذهاب حيثما كان لتحرير أرضه وحماية أهله وخلاص بلده"، تكتفي المصادر بالقول "هناك وفد تفاوضي نعمل على تشكيله، وحتى الآن، رئيسه سيكون السفير سيمون كرم، والعناوين العريضة باتت جاهزة تقريباً، هذا هو الأساس في هذه المرحلة".
العربي الجديد


0 تعليقات