زوارق سريعة وألغام.. كيف بقي مضيق هرمز تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني؟
دمرت الولايات المتحدة خلال الحرب على إيران معظم سفن البحرية الإيرانية، لكنها لم تتمكن من القضاء على أسطول الزوارق السريعة التابعة لـ"الحرس الثوري"، الذي تستخدمه طهران للسيطرة على مضيق هرمز، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وأوضحت الصحيفة الأميركية أن البحرية النظامية الإيرانية كانت تُشغّل السفن الحربية الكبيرة لأغراض "استعراضية" إلى حد كبير، وتنفيذ عمليات انتشار بعيد المدى بين حين وآخر، لكن "الحرس الثوري" الإيراني، يمتلك أسطولاً كبيراً من الزوارق السريعة المُصممة للسيطرة على هذا الممر الحيوي باستخدام الصواريخ والألغام ومضايقة السفن التجارية، وهي قدرات يصعب استهدافها.
وقال فرزين نديمي، وهو باحث متخصص في الشأن الإيراني في "معهد واشنطن"، إن أكثر من 60% من أسطول الزوارق الهجومية السريعة التابعة للحرس الثوري لا يزال سليماً، وإنه ما زال يُشكل تهديداً.
تحذيرات إيرانية من عبور هرمز
وفي أعقاب توصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق مع طهران لوقف القتال لمدة أسبوعين مقابل فتح المضيق، حذّرت إيران عبر إذاعات الملاحة البحرية من أن أي سفن تحاول العبور من دون تصريح "الحرس الثوري" قد تتعرض للتدمير.
ولم تعبر سوى 4 سفن في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، وهو أدنى مستوى للعبور في أبريل. كما أبلغت إيران الوسطاء بأنها ستقلل عدد السفن العابرة يومياً إلى نحو 12 سفينة من أكثر من 100 قبل الحرب.
وأصدرت إيران لاحقاً تحذيراً بشأن ألغام مضادة للسفن في القناة الرئيسية، وطلبت من السفن التنسيق مع الحرس الثوري لتفاديها عبر اتباع مسارات جديدة بمحاذاة سواحلها. ويُعد ذلك أول مؤشر من طهران على احتمال قيامها بزرع ألغام في الممر، بعدما حذّرت الولايات المتحدة من هذا الاحتمال الشهر الماضي.
وقال ديفيد دي روش، وهو مدير سابق لسياسات الخليج العربي في وزارة الدفاع الأميركية إن "استراتيجيتهم (إيران) غير المتكافئة تحقق نتائج".
وكشف ثلاثة مسؤولين أميركيين أن مدمرتين أميركيتين مزودتين بصواريخ موجهة عبرتا المضيق، السبت، في أول عبور لسفن حربية أميركية خلال الحرب، في خطوة تشكل تحدياً لسيطرة إيران على الممر المائي.
ومع مرور نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية عادة عبر مضيق هرمز، دفع إغلاق الممر أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع، متجاوزة 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2022.
وأحكمت إيران سيطرتها على حركة الملاحة عبر مهاجمة أكثر من 20 سفينة تجارية في الخليج. ويمكنها مواصلة هذه الهجمات حتى دون قوة بحرية عبر إطلاق مُسيرات وصواريخ من البر، غير أن الزوارق العسكرية تمنحها القدرة على تهديد السفن أو مرافقتها مباشرة، وفق "وول ستريت جورنال".
كيف ردت الولايات المتحدة؟
عملت الولايات المتحدة على تقويض هذه القدرة، إذ أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، المسؤولة عن الشرق الأوسط، في 6 أبريل الجاري أنها أغرقت أكثر من 155 سفينة إيرانية.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية ومقاطع رسمية للجيش الأميركي أن الضربات الأميركية ألحقت دماراً واسعاً بالأسطول البحري الإيراني، بما في ذلك بعض أكثر قطعه تطوراً وقوة، إلّا أن الجزء الأكبر من هذا الدمار استهدف البحرية التقليدية.
وفي واحدة من أبرز الضربات، أغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية الإيرانية "آيريس دينا" (IRIS Dena) بطوربيد في المحيط الهندي قرب سريلانكا وعلى متنها نحو 180 شخصاً، ما أودى بحياة 87 منهم على الأقل. وشملت ضربات أخرى استهداف سفن زرع ألغام وفرقاطات.
كما دمرت الضربات الأميركية بعض أكثر سفن "الحرس الثوري" تطوراً، وتُظهر لقطات "سنتكوم" أن من بينها السفينة "آيريس شهيد صياد شيرازي" (IRIS Shahid Sayyad Shirazi)، وهي سفينة شراعية ثنائية الهيكل شبحية كُشف عنها في فبراير 2024 وقادرة على إطلاق صواريخ مضادة للسفن، وصواريخ أرض جو.
واستهدفت الولايات المتحدة أيضاً أكبر حاملة طائرات مُسيرة تابعة للحرس الثوري في الخليج، "شهيد باقري" (Shahid Bagheri)، والتي كانت منصة لإطلاق صواريخ مضادة للسفن ومروحيات، وفقاً لنيكولاس كارل، الباحث في "مشروع التهديدات الخطيرة" التابع لـ"معهد أميركان إنتربرايز" في واشنطن.
وبحسب شركة "جينز" المتخصصة في الاستخبارات العسكرية وتحليل الأمن القومي، يُرجح أن أربعاً من القطع القتالية السطحية الرئيسية في البحرية الإيرانية، بما في ذلك فرقاطة من فئة "جماران" (Jamaran)، قد غرقت أو تعطلت بحلول 5 مارس الماضي.
وقال أليكس بابي، رئيس الفريق البحري في "جينز"، إن البحرية الإيرانية خسرت في المجمل ستاً من أصل سبع فرقاطات، وطرادين، وغواصة تقليدية واحدة من أصل ثلاث قادرة على الإبحار في أعالي البحار.
قدرات "الحرس الثوري" البحرية
لكن "الحرس الثوري" لا يزال يمتلك أعداداً كبيرة من الزوارق المصممة لمضايقة السفن في الممرات الضيقة للخليج، والمضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 20 ميلاً، وهي المناطق التي يمكن استخدام هذه الزوارق فيها بـ"أكبر قدر من فعالية".
وأوضح دي روش أن هذه الزوارق الصغيرة أكثر عدداً، ويصعب رصدها عبر الأقمار الصناعية مقارنة بالسفن التقليدية الأكبر.
وقال كريس لونج، وهو مسؤول سابق في البحرية البريطانية في الخليج، إن "الحرس الثوري" استخدم مرافق تحت الأرض مخفية على طول الساحل الصخري لتخزين مئات من هذه الزوارق الهجومية الصغيرة.
وأضاف لونج، الذي يعمل حالياً مستشاراً لشركات الشحن بصفته رئيساً لقسم المعلومات في شركة "نبتون بي تو بي" (Neptune P2P) البحرية: "سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من القضاء على كل تلك القدرات".
وعمدت إيران إلى بناء أسطول "الحرس الثوري" في إطار تغيير عقائدي اعتمدته بعد أن أغرقت الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من أسطولها النشط خلال معركة بحرية استمرت يوماً واحداً في أبريل 1988.
فبعدما اصطدمت فرقاطة أميركية بلغم خلال ما عُرف بـ"حرب الناقلات"، أرسلت واشنطن قوة لإزالة المواقع الإيرانية في الخليج، ودمرت السفن الإيرانية التي واجهتها.
وقال كارل إن إيران تحولت بعد ذلك إلى نهج "غير متكافئ" يركز على السيطرة على الشحن التجاري.
ووفقاً لبيانات "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة"، الذي يتتبع النزاعات عالمياً، نُفذ ما لا يقل عن 50 هجوماً إيرانياً ضد الشحن في الخليج، ومضيق هرمز منذ 28 فبراير الماضي.
مسيرات وألغام بحرية
كما بدأ "الحرس الثوري" استخدام مُسيرات بحرية لمهاجمة السفن. وأفادت شركة "سيف سي جروب" (Safesea Group) ومقرها ولاية نيوجيرسي بأن ناقلة "سيف سي فيشنو" (Safesea Vishnu)، التي ترفع علم جزر مارشال، تعرضت لهجوم بزورقين مُسيرين محملين بالمتفجرات في ميناء عراقي في 11 مارس.
وذكرت شركة "أمبري" للأمن البحري أن ناقلة النفط "إم كيه دي فيوم" (MKD VYOM) التي ترفع علم جزر مارشال وتعرضت لهجوم قرب عُمان، وناقلة النفط الخام "سونانجول ناميبي" التي ترفع علم جزر البهاما وكانت راسية قرب ميناء خور الزبير في العراق، أصيبتا أيضاً بمُسيرات بحرية.
وكان "الحرس الثوري" قد عرض للمرة الأولى مُسيراته البحرية قبل نحو عام في مقطع فيديو لقاعدة تحت الأرض.
كما استخدمت جماعة الحوثي في اليمن هذه المُسيرات عام 2024 ضد سفن تجارية في البحر الأحمر، وفق ما أعلن الجيش الأميركي آنذاك، فيما قال مسؤولون أمنيون إن التكنولوجيا المستخدمة في هذه المُسيرات وفرتها طهران.
وتُعد الألغام مصدر قلق آخر، لا سيما بعد تحذير إيران الأخير للسفن التجارية بضرورة التنسيق مع "الحرس الثوري" بشأن المسارات الآمنة عبر المضيق.
وفي ظل عدم تأكيد وجود هذه الألغام، يعتقد محللون أن التحذير يندرج ضمن أساليب الترهيب، غير أن الإخطار، الذي تضمن خريطة لمنطقة محظورة مستطيلة في وسط الممر، انتشر على نطاق واسع بين البحارة.
وقال بحارة إن أعداداً قليلةً من أطقم السفن أو القباطنة سيخاطرون بتجاهل ذلك. وأفاد بحار صيني يبلغ من العمر 32 عاماً يعمل على متن سفينة عالقة في الخليج بأن قبطانه رفض مرتين أوامر مالك السفينة بعبور المضيق.
ومع امتلاك هذه الأدوات، فإن تدمير السفن العسكرية الإيرانية الأكبر لا يغير كثيراً من قدرة "الحرس الثوري" على إغلاق المضيق. ويُعتقد أن إيران تمتلك آلاف الألغام، ويمكن نشرها باستخدام سفن صيد أو زوارق صغيرة أخرى، بحسب لونج.
وقال روبرت هاروارد، وهو نائب قائد سابق للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم): "إيران خسرت ما بين 80% و90% من قدراتها البحرية... لكن النسبة المتبقية، وهي 10%، هي الأصعب".


0 تعليقات