"التحمل بدلاً من الإغراق".. استراتيجية إيرانية لإطالة أمد الحرب
مع استمرار الحرب على إيران التي دخلت شهرها الثاني، تواصل طهران الرد على موجات القصف الأميركية والإسرائيلية بوابل يومي من الهجمات الانتقامية في أنحاء الشرق الأوسط، فيما أصبح الصراع يشكل اختباراً متزايداً للقدرة على الصمود، وفق "فاينانشيال تايمز".
وأشارت الصحيفة البريطانية، السبت، إلى تراجع الهجمات الصاروخية الضخمة التي نفذتها إيران في بداية الحرب، لتحل محلها وتيرة أبطأ من الإطلاقات ووابل أصغر منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على طهران في 28 فبراير الماضي.
لكن لا يزال من غير الواضح إلى متى تستطيع إيران الحفاظ على معدلات الإطلاق، وكذلك إلى متى يمكن لإسرائيل، ودول المنطقة الاستمرار في اعتراض الصواريخ، وسط تباين تقييمات الخبراء بشأن المدة التي يمكن أن يستمر فيها النزاع.
وقال توم كاراكو، وهو مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، إن قدرة إيران على الحفاظ على مستوى الرد الحالي باستخدام المُسيّرات والصواريخ تعتمد إلى حد كبير على فعالية الضربات الأميركية والإسرائيلية التي تستهدف منصات الإطلاق والبنية التحتية وشبكات القيادة.
وتشير معدلات الإطلاق المتراجعة، إلى أن هذه العمليات تعطل قدرات إيران وتفرض عليها إدارة أكثر حذراً لمخزونها.
ورغم أن طهران قد تحتفظ ببعض الأنظمة المتقدمة في الاحتياط، كما يشير إطلاق صاروخ باليستي متوسط المدى نحو قاعدة دييجو جارسيا العسكرية في المحيط الهندي، فإن ذلك ينطوي على خطر "الاستخدام أو الفقدان".
وفي الوقت ذاته، قد تسعى إيران عمداً إلى إطالة أمد الصراع لفرض تكاليف سياسية والضغط على واشنطن للانسحاب.
وعلى الرغم من أن انخفاض وتيرة الإطلاق، يشير إلى تراجع القدرة على إغراق الدفاعات، فإن إيران على الأرجح لا تزال تحتفظ بالقدرة على تنفيذ هجمات معقدة ومنسقة، ما قد يضغط على أنظمة الدفاع، خصوصاً إذا استُنزفت مخزونات الصواريخ الاعتراضية في مواقع رئيسية.
ولا يزال حجم القوة الصاروخية المتبقية، بما في ذلك تلك المخزنة في منشآت تحت الأرض، غير واضح. ومع ذلك، تبدو قدرة إيران على تجديد ترسانتها على المدى القريب محدودة.
استراتيجية التحمل بدلاً من الإغراق
أما داني سيترينوفيتش، الخبير في الشأن الإيراني لدى معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في تل أبيب، فيرى أن إيران ربما لا تملك القدرة على تنفيذ وابل ضخم من الصواريخ، لكن نهجها الحالي يبدو استراتيجية قائمة على التحمل بدلاً من الإغراق.
وأوضح أن ذلك يعكس تخطيطاً طويل الأمد، إذ يبدو أن إيران تتعمد ترشيد استخدام الصواريخ والطائرات المُسيرة، إدراكاً منها أن الصراع مرشح للاستمرار.
وبالوتيرة الحالية، من المرجح أن تمتلك ما يكفي من الصواريخ لعدة أسابيع إضافية.
وبدلاً من الاعتماد على هجمات واسعة النطاق، تحافظ إيران على الضغط عبر ضربات أصغر، لكنها مستمرة، تشمل هجمات صاروخية محدودة على إسرائيل، وموجات من الطائرات المُسيرة، وإطلاقات متكررة لصواريخ قصيرة المدى باتجاه دول المنطقة.
وحتى عدد محدود من الضربات ربما يصيب أهدافاً حيوية في قطاع الطاقة والبنية التحتية، ما يشكل تحدياً خاصاً لدول المنطقة، ويمنح طهران نفوذاً غير متناسب.
ويرى ساسكا بروخمان، محلل الشؤون العسكرية والأمنية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن الهجمات الصاروخية الإيرانية لا تزال محدودة إلى حد كبير، خصوصاً مقارنة بالأيام الثلاثة الأولى من الحرب، ولا تزال معدلات الاعتراض مرتفعة للغاية.
واستخدمت إيران مزيداً من الرؤوس الحربية العنقودية ضد إسرائيل، وفي بعض الحالات تنفصل هذه الرؤوس قبل اعتراضها، ما يعني أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية لا تتعامل مع كل جزء منها.
وينتج عن ذلك العديد من المقاطع المصورة التي تُظهر سقوط ذخائر، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان في تل أبيب، ما قد يخلق انطباعاً بأن إيران قادرة على اختراق الدفاعات أو تحقيق إصابات أكثر. ويتم تضخيم كل إصابة والاحتفاء بها والمبالغة فيها، وفق بروخمان.
وبشكل عام، لا تزال معدلات الاعتراض مرتفعة أيضاً في دول المنطقة، ويشير الانطباع لدى الباحثين على الأرض إلى استمرار معدلات اعتراض مرتفعة للغاية.
وقد وقعت هجمات صاروخية ناجحة هذا الأسبوع، لكنها لا تزال نادرة. وإلى جانب الحرب الصاروخية، تدور أيضاً حرب دعائية للتأثير على الجمهور المستهدف في المنطقة، وواشنطن.
تكتيكات "الإخفاء والتنقل" الإيرانية
وقالت لينيت نوسباخر، وهي مستشارة استخبارات سابقة عملت لدى الحكومة البريطانية، إن الإيرانيين على ما يبدو يطلقون الصواريخ بأسرع ما يمكن، ضمن قيود "الإخفاء والتنقل وتجهيز الذخائر ذات الوقود السائل وإطلاقها".
ويكشف كل إطلاق عن موقع منصة الإطلاق للولايات المتحدة أو إسرائيل، ما يجعله هدفاً محتملاً للهجوم، وهو ما يحدد وتيرة الإطلاق أكثر من إدارة المخزون.
وتشير تقديرات موثوقة إلى أن إيران تمتلك ما بين 1000 و1500 صاروخ باليستي، إضافة إلى صواريخ كروز وطائرات مُسيرة، فضلاً عن منصات إطلاق احتياطية ووقود للذخائر ذات الوقود السائل، بحسب نوسباخر.
وإذا تمكنت من مواصلة الإطلاق من ملاجئ محصنة بالمعدل الحالي المنخفض، فقد تستمر بسهولة لأسبوع أو أسبوعين إضافيين.
وإذا كانت إيران قد استخدمت أنظمتها الأقل فاعلية في المراحل الأولى من الحملة، فقد تكون لا تزال تحتفظ بصواريخ أطول مدى وأكثر دقة. كما أن بعض صواريخها الأحدث تعمل بالوقود الصلب، ما يجعلها أسرع في الإطلاق وأكثر موثوقية، وهو ما قد يزيد من فتك كل هجوم.
وقال جيم لامسون، الباحث في مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار، إن قدرة إيران على الحفاظ على مستوى الرد الحالي تظل غير واضحة بدرجة كبيرة، بسبب محدودية المعلومات حول مخزوناتها المتبقية.
ورغم أن طهران نشرت مؤخراً أنظمة متوسطة المدى أكثر تطوراً مثل "سجيل"، و"حاج قاسم"، فإنها لم تستخدم بعد بعض المنصات الأحدث أو الأكثر تطوراً، بما في ذلك المركبة الانزلاقية فرط الصوتية "فتاح-2"، ما يشير إلى أن بعض القدرات قد لا تكون غير جاهزة للتشغيل بعد أو لا تزال محتفظاً بها في الاحتياط، وإن كان بأعداد محدودة.
وبالمثل، ربما يجري إدخال أنواع إضافية من الصواريخ قصيرة المدى مع استمرار الصراع، بحسب لامسون.
لكن قدرة إيران على تجديد ترسانتها تضررت بشكل كبير بفعل الضربات الأميركية والإسرائيلية، التي استهدفت مرافق الإنتاج وسلاسل الإمداد الحيوية لمكونات رئيسية مثل المحركات والوقود وأنظمة التوجيه.
ورغم إمكانية إجراء بعض عمليات التجميع على المدى القصير باستخدام مخزونات قائمة، فإن القدرة الإنتاجية الإجمالية تبدو محدودة بشدة.


0 تعليقات