حرب إيران تهدد جهود "مجلس السلام" في إعادة إعمار غزة
اصطدمت مبادرة "مجلس السلام" بشأن غزة، التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعقبات كبيرة مع اندلاع حرب إيران، ما أدى إلى إبطاء التقدم المحدود، الذي تحقق منذ الإعلان عن المبادرة الشهر الماضي بدعم من عدد من قادة العالم، حسبما نقلت "بوليتيكو".
وبحسب مسؤول في الإدارة الأميركية، فقد بدأ المجلس إجراءاته التنظيمية بفتح حسابات مالية لدى البنك الدولي وبنك "جي بي مورجان تشيس"، في إطار التحضير لإدارة الأموال التي تعهدت بها الدول الداعمة للمبادرة الرامية لإعادة إعمار قطاع غزة.
وأوضح المسؤول الأميركي، أن العمل جارٍ مع الدول التي قدمت تعهدات مالية من أجل استكمال إجراءات التحويلات. وكانت نحو عشرين دولة قد أعلنت في فبراير التزامها بتقديم أكثر من 16 مليار دولار لتمويل المجلس، مع تعهد الولايات المتحدة بالمساهمة الكبرى التي تبلغ 10 مليارات دولار.
غير أن الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، أدخلت المشهد الإقليمي في حالة من الاضطراب، ما عرقل حتى التقدم المحدود الذي كان يحرزه فريق التفاوض في البيت الأبيض بقيادة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
وكان الإعلان عن "مجلس السلام" قد جاء ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار في غزة، الذي توسطت فيه واشنطن في أكتوبر بين إسرائيل وحركة "حماس"، بدعم من مجلس الأمن الدولي، على أن يشكل إطاراً لإعادة إعمار قطاع غزة وتعزيز الاستقرار في المناطق المتضررة من النزاعات.
ووفق نسخة مسربة من ميثاق المجلس، فإن مهمته تتجاوز إعادة الإعمار لتشمل بناء "السلام في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراعات". وخلال المراحل الأولى من تنفيذ المبادرة، تبادلت إسرائيل و"حماس" عدداً من الأسرى والمحتجزين، كما أعادت إسرائيل فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة.
تهديدات بالانسحاب
لكن التطورات الإقليمية الأخيرة، أضعفت هذه الخطوات. فقد هدد رئيس إندونيسيا بالانسحاب من المبادرة إذا لم تحقق فائدة مباشرة للفلسطينيين، في حين أعلن وزير خارجية بلاده تعليق المحادثات المرتبطة بالمجلس بسبب حرب إيران. وقد يهدد ذلك مشاركة إندونيسيا في قوة الاستقرار الدولية في غزة، إذ كانت تعهدت بإرسال نحو 8 آلاف جندي لها.
وأكد مسؤول في الإدارة الأميركية، حسبما نقلت "بوليتيكو"، أن الاتصالات مع إندونيسيا لا تزال مستمرة، مشدداً على أن المجلس "ملتزم بتوفير الاستقرار والازدهار لسكان غزة". كما أكدت دول أخرى مثل أذربيجان والأردن استمرار دعمها للمبادرة.
ورغم ذلك، لا يزال الهدف المركزي للمجلس، إعادة إعمار غزة، بعيداً عن التحقق. إذ تُعد مسألة نزع سلاح "حماس" شرطاً أساسياً لإطلاق عملية إعادة الإعمار، لكن لم يُعلن عن تقدم ملموس في هذا الملف حتى الآن.
كما أغلقت إسرائيل معبر رفح مجدداً بعد الحرب على إيران، في خطوة تراجعت معها إحدى أبرز نتائج اتفاق وقف إطلاق النار، وأدت إلى انخفاض حجم المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى القطاع. وعندما سُئل المسؤول الأميركي عن المعبر، أحال الصحافيين إلى الحكومة الإسرائيلية.
إغلاق معبر رفح
من جانبه قال جهاز تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وهو الهيئة العسكرية المسؤولة عن الشؤون المدنية في غزة، إن معبر رفح "سيبقى مغلقاً مؤقتاً بسبب تهديد الصواريخ، وسيُعاد فتحه عندما يسمح الوضع الأمني بذلك".
وفي هذا السياق، أشارت الباحثة زها حسن، التي عملت مستشارة لفريق التفاوض الفلسطيني خلال مساعيه للحصول على عضوية الأمم المتحدة، إلى أن تفويض "مجلس السلام" لدى مجلس الأمن ينتهي بنهاية عام 2027. وقالت لـ"بوليتيكو"، إن الاعتماد على المجلس كمسار وحيد دون قدرته على التأثير في التزامات إسرائيل، "لا يعطي مؤشرات إيجابية لمستقبله، خصوصاً مع اقتراب انتهاء ولايته".
ويرى ديفيد شينكر، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى في إدارة ترمب الأولى، أن التطورات الأخيرة تمثل تراجعاً واضحاً عما تحقق من تقدم محدود. وأضاف أن قلة المسؤولين المخولين بصنع القرار في السياسة الخارجية داخل الإدارة الأميركية قد تزيد من تعقيد الوضع، مشيراً إلى أن عدداً من الملفات — إضافة إلى غزة — خرج مؤقتاً من دائرة الاهتمام بسبب أولوية التعامل مع إيران والحرب الجارية.
ورغم هذه التحديات، يواصل ترمب إظهار ثقته في ويتكوف وكوشنر، مؤكداً أنهما "يقومان بعمل رائع". وكان من المقرر أن يزور الاثنان إسرائيل الثلاثاء، إلا أن الزيارة أُرجئت.
من جانبه، أبدى ويتكوف رؤية أكثر تفاؤلاً، معتبراً أن الحرب على إيران قد تفتح الباب أمام تعاون إقليمي أوسع.
غير أن فشل "مجلس السلام" في تحقيق هدفه الأوسع، المتمثل في نزع سلاح "حماس" وإعادة إعمار غزة، قد يحمل تداعيات كبيرة. فقد كتب الصحافي الفلسطيني محمد محاويش، أن الاضطرابات الإقليمية الناتجة عن الضربات على إيران جعلت غزة "أكثر عرضة للتصعيد الإسرائيلي من أي وقت منذ أكتوبر 2023".
وفي مقابلة صحافية، قال الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوج، إن مسألة نزع سلاح "حماس" ليست أولوية فورية، مضيفاً أن إسرائيل قادرة على تنفيذ ذلك إذا لزم الأمر، لكنه أشار إلى أن الحكومة التكنوقراطية الحالية (لجنة إدارة غزة)، قد تتحمل مسؤولية هذا الملف في المرحلة المقبلة.
تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة
وشدد وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، الثلاثاء، على ضرورة "عدم تجاهل الوضع الإنساني المتردي في قطاع غزة"، مع تصاعد حرب إيران.
وقال خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الإسرائيلي، جدعون ساعر، في القدس، "يجب ألا نغفل عن محنة أكثر من مليوني شخص هناك. فالوضع الإنساني لا يزال كارثياً. علاوة على ذلك، لا تزال هناك صعوبة بالغة في وصول عمال الإغاثة الإنسانية".
وأوضح فاديفول أنه تطرّق أيضا إلى الوضع المتوتر للغاية في الضفة الغربية خلال مباحثاته مع ساعر، حيث ندد بشدة بأعمال العنف الدامية التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون، قائلاً: "إننا ندين بوضوح عنف المستوطنين المتطرفين، الذي أدى مرة أخرى إلى سقوط فلسطينيين قبل أيام قليلة".


0 تعليقات