بين "الممكن والمستحيل".. الفلسطينيون في مواجهة طوفان الاستيطان والضم والتهجير
فجرت قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة الخاصة بتوسيع وتكثيف وتعميق الاستيطان، واعادة السيطرة المدنية الإسرائيلية إلى قلب المدن والتجمعات السكانية الفلسطينية، نقاشاً واسعاً بين الفلسطينيين حول "الممكن والمستحيل"، في مواجهة هذا الطوفان الذي لا يُخفي أصحابه بأن الهدف النهائي منه هو تهجير الفلسطينيين، أو حصرهم داخل معازل مغلقة، وإحلال المستوطنين محلهم.
وحفلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الأراضي الفلسطينية، بمقالات ومقابلات وتعليقات حول ما يمكن عمله وما لا يمكن عمله، ومسؤولية السلطة الفلسطينية، والفصائل والافراد.
البعض اقترح حل السلطة الفلسطينية، وتحدي إسرائيل بالمواطنة وحل الدولة الواحدة، والبعض اقترح التخلي عن الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وسحب الاعتراف منها، وآخرون اقترحوا توحيد القوى السياسية تحت برنامج عمل وطني واحد وغيرها.
البقاء في مواجهة الأبارتايد
أستاذ العلوم السياسية، علي الجرباوي، اعتبر، في تصريحات لـ"الشرق"، أن الخيار الوحيد المتبقي أمام الفلسطينيين في مواجهة الخطط الإسرائيلية، هو "خيار البقاء على الأرض وعدم مغادرتها مهما بلغت الضغوطات والتضحيات، وتحويل هذا الوجود إلى تحد دائم للاحتلال". وقال: "هم يجثمون على صدورنا، ونحن نجثم على صدورهم، وليتفضل العالم ويتعامل مع نظام الأبارتايد في بلادنا كما تعامل مع نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا".
أما الكاتب والدبلوماسي والوزير السابق نبيل عمرو، فيرى أن الشعب الفلسطيني يمتلك ما يسميه "السلاح الأقوى" في وجه الاحتلال الإسرائيلي وهو "بقاء الملايين في أراضيهم وتحريم بيع متر واحد منها"، مشيراً إلى ما نصت عليه القرارات الإسرائيلية من فتح سجلات الأراضي الفلسطينية أمام المستوطنين أفراداً وجماعات لتمكينهم من شرائها والاستيلاء عليها.
ويرى عمرو أن القرارات الإسرائيلية هذه، تأتي في سياق "حرب الإبادة السياسية"، التي جرت في الضفة، بموازاة "حرب الإبادة البشرية التي جرت في غزة"، مشيراً إلى أن "فشل الثانية ينبئ بفشل الأولى".
العامل الديموجرافي
وبخلاف ما يعتقده البعض من أن الوجود الفلسطيني الديموجرافي يشكل وحده، تحدياً لإسرائيل، يرى الجرباوي، في تصريحاته لـ"الشرق"، أن "الوجود النوعي وليس العددي هو الذي سيشكل التحدي الأكبر للاحتلال الإسرائيلي". وأضاف: "العامل الديموجرافي لا يجدي كثيراً، ما يجدي هو الوجود الفاعل المتمكن من خلال تطوير منظومات التعليم والصحة والقضاء والاقتصاد والفواعل السياسية".
ويتعرض الفلسطينيون منذ بدأت الحرب على غزة في أكتوبر 2023، إلى حصار اقتصادي ومالي إسرائيلي، ترك آثاراً مدمرة على التعليم والصحة والاقتصاد، وجعل الحكومة غير قادرة على دفع رواتب موظفيها العاملين في هذه القطاعات والخدمات الحيوية.
واعتمدت السلطة الفلسطينية كثيراً على الدعم الخارجي، لكن هذا الدعم تقلص بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة منها ما يسمى "إنهاك المتبرعين"، ومنها عدم ثقة بعض المتبرعين في النظام المالي للسلطة الفلسطينية، وغيرها من العوامل.
واقترح أحد الشخصيات السياسية الفلسطينية، أن توجه الدول المتبرعة دعمها مباشرة لقطاعات بعينها، مثل أن تقوم دولة أو مجموعة من الدول بتبني القطاعات الأكثر حيوية في الأراضي الفلسطينية، وهي التعليم والصحة ونظام العدالة.
وقال: "يمكن لهذه الدول أن تشرف بنفسها على تشغيل هذه القطاعات مساهمة في تعزيز بقاء الفلسطينيين وتحسين نوعية وجودهم على الأرض من خلال تعليم وتدريب أجيال قادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية والمعرفية التي لا يمكن للاقتصادات الحديثة أن تعمل من دونها".
النظام السياسي
كثير من المراقبين يوجه سهام نقد شديدة للنظام السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، محملاً إياه المسؤولية عن إضعاف حصانة المجتمع الفلسطيني بسبب الانقسام الذي أدى إلى إلغاء المشاركة السياسية وتداول السلطة.
وتوقفت الانتخابات العامة في فلسطين منذ الانقسام في عام 2007، الذي سيطرت فيه حركة "حماس" على السلطة في قطاع غزة، فيما بقيت حركة "فتح" تدير السلطة في الضفة الغربية.
وأعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مؤخراً عن اجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في الأول من نوفمبر المقبل. ونص قانون الانتخابات الجديد على أن تشمل انتخابات المجلس الوطني المجلس التشريعي في الوطن بحيث يكون المنتخبون في الضفة الغربية وقطاع غزة أعضاءً في مجلسي النواب والمجلس الوطني. لكن هناك الكثير من العقبات في طريق الانتخابات منها عدم استقرار الأوضاع في قطاع غزة.
ويرى علي الجرباوي، في تصريحاته لـ"الشرق"، أن "هناك قطيعة بين النظام السياسي والجمهور"، مشيراً إلى أن "التهديد الوجودي الذي يتعرض له الفلسطينيون اليوم يفرض المبادرة إلى حوار بين النظام السياسي والمجتمع في البحث عن سبل المواجهة".
بينما يرى نبيل عمرو، أن المطلوب من الفلسطينيين، هو "تمتين أساسات الوحدة الوطنية، والعمل المواظب على تعزيز صمودهم الذي بهر العالم رغم قلة الإمكانات".
وفي السياق الدبلوماسي، يرى عمرو أن الفلسطينيين يمكنهم التعاون مع الأشقاء العرب والأصدقاء في القيام بـ"أوسع حملة على مستوى العالم لتطوير المواقف من حالة التضامن إلى حالة الإقدام على إجراءات فعالة". وقال: "هذا ليس فقط من أجل حماية الحقوق الفلسطينية بل أيضاً من أجل الحد من جعل قانون الغاب بديلاً عن القانون الدولي".


0 تعليقات