إيران والولايات المتحدة.. "الخيارات العسكرية" على الطاولة قبل جولة "حاسمة" من المفاوضات
تستعد واشنطن وطهران لجولة ثالثة من المفاوضات النووية، مقررة في مدينة جنيف السويسرية، الخميس، وسط تسارع للأحداث التي تجمع بين الضغط العسكري والتحذيرات المتبادلة، والتحركات الدبلوماسية.
وينظر إلى هذه الجولة بوصفها "محطة حاسمة" قد تحدد مسار المرحلة المقبلة، بينما يكافح المفاوضون الأميركيون والإيرانيون لكسر حالة الجمود بشأن خطوطهم الحمراء المتبادلة. ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مصادر مطلعة قولها، إن الجانبين سينظران في مقترح يتيح مخرجاً من الحرب بما يتيح "السماح لإيران ببرنامج تخصيب نووي محدود لأغراض مدنية".
ورغم التلويح الأميركي بشن ضربات على إيران، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب "يزداد إحباطاً بشكل متزايد"، مما يصفه كبار مساعديه بـ"حدود النفوذ العسكري ضد إيران"، حسبما أفادت شبكة CBS News نقلاً عن مصادر متعددة مطلعة على الأمر.
وخلافاً لعمليات سابقة محددة الأهداف، بما في ذلك العملية الأخيرة التي أزاحت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة، تم إبلاغ ترمب بأن أي ضربة ضد أصول طهران لن تكون على الأرجح ضربة واحدة حاسمة. وبدلاً من ذلك، فإن الضربات المحدودة قد تفتح الباب أمام مواجهة أوسع، وهو ما قد يعرّض الولايات المتحدة لخطر الانجرار إلى صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، وفق ما أوضحت المصادر.
كما ذكر موقع "أكسيوس" وصحيفتا "واشنطن بوست" و"وول ستريت جورنال"، أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين، حذّر ترمب من أن شن حملة عسكرية ضد إيران قد ينطوي على مخاطر جسيمة، في مقدمتها احتمال التورط في "صراع طويل الأمد".
وفي وقت لاحق نفى ترمب هذه التقارير ووصفها بـ"المزيفة"، مؤكداً أن "كين يعتقد أن الحرب مع إيران يمكن حسمها بسهولة".
وقال ترمب عبر منصة "تروث سوشيال": "تتداول وسائل الإعلام الإخبارية المزيّفة العديد من القصص التي تزعم أن كين، يعارض الحرب مع إيران.. ولا تنسب هذه القصص إلى أي مصدر، وهي غير صحيحة بنسبة 100%".
وأضاف أن "الجنرال كين، مثلنا جميعاً، لا يرغب في نشوب حرب، ولكن إذا تم اتخاذ قرار بالتحرك ضد إيران على المستوى العسكري، فهو يرى أن الأمر يمكن حسمه بسهولة.. فهو يعرف إيران جيداً كونه كان مسؤولاً عن عملية Midnight Hammer، (الضربات التي استهدفت مواقع نووية إيرانية).."، معتبراً أن "البرنامج النووي الإيراني لم يعد قائماً، بل دُمّر بالكامل على يد القاذفات B-2".
وقال مسؤول عسكري رفيع لشبكة CBS News، إن "المخططين العسكريين يقدمون نصائح غير متحيزة".
ووفق ما ذكرت الشبكة، يرجع سبب نفاد صبر ترمب إلى "رغبته في اتخاذ إجراء قوي يعيد ضبط طاولة المفاوضات الدبلوماسية".
وضغط ترمب على مستشاريه لطرح خيارات توجه ضربة عقابية، تكون كبيرة بما يكفي، من وجهة نظره، لإجبار القادة الإيرانيين على العودة إلى المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة لواشنطن. لكن المخططين العسكريين حذروا من أن مثل هذه النتيجة لا يمكن ضمانها، وفق ما أوردت CBS News.
وفي اجتماعات خاصة، نصح كين ترمب بأن حملة عسكرية مستدامة ضد إيران قد تنطوي على تداعيات كبيرة، مثل انتقام طهران ووكلائها من القوات الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة، وقد تتصاعد إلى انخراط طويل الأمد يتطلب مزيداً من القوات والموارد الأميركية.
ونقلت "واشنطن بوست" عن مصدر مطلع على المداولات قوله، إن بعض المسؤولين الأميركيين يعارضون توجيه ضربة محدودة لأنها قد تُشعل دوامة غير متوقعة من العنف المتبادل، بما في ذلك هجمات إيرانية على أفراد عسكريين ودبلوماسيين أميركيين في المنطقة.
وتعكس الاجتماعات الجارية داخل البيت الأبيض بشأن إيران، توتراً أوسع بين الأهداف السياسية والحقائق العسكرية. ففي حين يسعى ترمب إلى استعراض قوة درامي لتعزيز موقفه التفاوضي، شدد القادة العسكريون الكبار على أن الحروب نادراً ما تسير وفق المخطط، وأن حتى الضربات المحسوبة بعناية قد تفضي إلى عواقب غير متوقعة، بحسب ما أوردت CBS News.
رفض إيران "يربك" واشنطن
وذكرت صحيفة "نيويوك تايمز"، أن الموقف الإيراني الرافض للاستجابة لمطالب ترمب بشأن البرنامج النووي والصاروخي "أربك المسؤولين الأميركيين".
وأضافت الصحيفة أن النظام الإيراني "يرى أن تقديم هذه التنازلات قد يمس أيديولوجيته الأساسية وسيادته، ويشكل تهديداً لبقائه، أكثر من خطر اندلاع حرب".
ونقلت عن خبراء قولهم إن "الاختلاف الخطير في التصورات" بين إيران والولايات المتحدة هو ما يجعل الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق تبدو "هشة بشكل متزايد"، ويجعل نشوب صراع إقليمي جديد يبدو "شبه حتمي".
وتقول إدارة ترمب إنها تريد من إيران الموافقة على صفر تخصيب نووي لضمان عدم قدرتها على تصنيع سلاح نووي. كما أصر مسؤولون أميركيون أحياناً على الحد من مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية وإنهاء دعم طهران للجماعات الحليفة في المنطقة.
أما إيران، التي تؤكد أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية فقط، فترى أن تخصيب اليورانيوم حقّ لا يمكن لمسؤوليها التخلي عنه. كما تعتبر امتلاك صواريخ باليستية أمر حيوي للدفاع عن النفس.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، قال المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، إن ترمب "يتساءل" لماذا "لم يستسلم" الإيرانيون.
وأضاف ويتكوف: "لماذا، تحت هذا النوع من الضغط، ومع حجم القوة البحرية التي لدينا هناك، لم يأتوا إلينا ويقولوا: نعلن أننا لا نريد سلاحاً، إذن، هذا ما نحن مستعدون لفعله"،معتبراً أنه "من الصعب دفعهم للوصول إلى تلك النقطة".
وتعرضت إيران في يونيو الماضي، لضربات قاسية خلال حرب استمرت 12 يوماً شنتها إسرائيل وانضمت إليها لفترة وجيزة طائرات حربية أميركية. وقد أدّى ذلك الصراع، إلى جانب العقوبات الدولية القاسية، إلى تعميق أزمة الاقتصاد الإيراني.
وفي الأسابيع الأخيرة، وسّعت الولايات المتحدة بشكل كبير وضعها العسكري في المنطقة. ومن المتوقع أن تتموضع مجموعة حاملة الطائرات "جيرالد فورد" وسفنها الحربية المرافقة ضمن مدى الأراضي الإيرانية، لتنضم إلى مجموعة حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وأسراب الطائرات الأخرى المتمركزة في قواعد عبر المنطقة.
كما تم تعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي "باتريوت" و"ثاد" لحماية القوات الأمريكية والحلفاء الإقليميين من أي رد انتقامي محتمل.
ويقول مسؤولون في البنتاجون إن هذه الانتشارات دفاعية وتهدف إلى ردع التصعيد، غير أن حجم وسرعة هذا الحشد العسكري يبرزان أن أي ضربة داخل إيران ستؤدي على الأرجح إلى رد، سواء عبر هجمات صاروخية، أو مضايقات بحرية في مضيق هرمز، أو من خلال قوات تعمل بالوكالة في المنطقة.
وقال داني سيترونوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، لـ"نيويورك تايمز"، إنه يعتقد أن النظام الإيراني "ليس لديهم خيار آخر سوى الرهان على الجانب العسكري".
مواقف إيرانية متضاربة
وأبدى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع شبكة CBS، الأحد، تفاؤله بشأن المفاوضات المرتقبة مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، واعتبر أن هناك "فرصة جيدة" للتوصل إلى حل دبلوماسي.
ولكن مسؤولاً إيرانياً كبيراً قال لوكالة "رويترز"، إن الجانبين لا يزالان على خلاف حاد، حتى فيما يتعلق بنطاق تخفيف العقوبات الأميركية وتوقيته، وذلك بعد جولتين من المحادثات.
وحذر مساعد وزير الخارجية الايراني، كاظم غريب آبادي، خلال كلمة في الاجتماع رفيع المستوى لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، الاثنين، من مهاجمة بلاده، قائلاً إن "من يبدأ الحرب ضد إيران لن يكون هو من ينهيها"، حسبما أوردت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية.
واعتبر غريب آبادي أن آثار الحرب "لن تقتصر على طرفيها"، مضيفاً أن "إيران ستقف بحزم ضد أي مؤامرة، ولن تكون من تبدأ أي حرب".
كما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، إن الحديث عن "الاستسلام" يتعارض مع مبادئ القانون الدولي، مشدداً على أن العلاقات بين الدول يجب أن تقوم على أساس احترام السيادة والمساواة بين أعضاء الأمم المتحدة.
وفي ما يتعلق بالتهديدات الأميركية بشن عمل عسكري ضد إيران، قال بقائي إن القوات الإيرانية "على أهبة الاستعداد للدفاع عن سيادة البلاد"، مضيفاً أن "طهران ستواصل الدفاع عن مصالحها الوطنية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي"، ومشدداً على أن "التجارب السابقة تفرض الحذر في التعامل مع المفاوضات".
وكانت "رويترز" قد نقلت، الجمعة، عن مسؤولين من طهران وواشنطن، ودبلوماسيين من أنحاء الخليج وأوروبا، أن إيران والولايات المتحدة تتجهان سريعاً نحو صراع عسكري مع تضاؤل الآمال في التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
خيارات واشنطن العسكرية
ووفق "نيويورك تايمز"، فإن من بين الأسئلة الرئيسية قبل أي مواجهة محتملة، هي هل سيصل الهجوم الأمريكي إلى حد محاولة إسقاط النظام السياسي في إيران؟ وهل ستكون طهران قادرة على الرد بما يكفي لجعل الصراع مؤلماً لتامب أيضاً؟
وإذا اختار ترمب الذهاب أبعد من ذلك، فستضطر القوات الأميركية، على الأرجح بمساعدة إسرائيل، إلى التحرك سريعاً في الأيام الأولى لتدمير أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية لمنع رد أكثر شراسة واتساعاً.
واعتبر المرشد الإيراني علي خامنئي مراراً أن الهدف النهائي لواشنطن هو إسقاط نظام الحكم في إيران. وقال في خطاب عام 2024: "ليست الطاقة النووية هي المشكلة، ولا حقوق الإنسان، مشكلة أميركا هي مع وجود الجمهورية الإسلامية".
وقد تتمكن القوات الأميركية والإسرائيلية من توجيه ضربة سريعة ومدمرة، كما حدث في يونيو الماضي حين قتلت إسرائيل عدداً من كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين خلال ساعات، مع تعرض منشآت إيران النووية والعسكرية لقصف شديد.
لكن طهران تعلّمت دروساً من تلك الحرب، بحسب مسؤولين إيرانيين وإقليميين تحدثوا لـ"نيويورك تايمز"، كما أعدّت قائمة من القادة ليحلوا محل أي قيادي يلقى حتفه، بهدف ضمان بقاء النظام.
ويقول مسؤولون إقليميون على اتصال بطهران وواشنطن، إنه إذا اختار ترمب توجيه ضربة، "فسيكون هدفه على الأرجح إحداث صدمة قوية في القيادة الإيرانية تدفعها للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروطه".
لكن خبراء قالوا إن إيران رفضت الاستسلام للشروط الأميركية بعد الحرب الأخيرة، و"إذا نجت من حرب أخرى فمن المرجح أن ترفض مرة أخرى".
وفي المقابل، قد تحاول إيران تقليد جماعة الحوثي، حليفتها في اليمن، بحسب ما نقلت "نيويورك تايمز" عن خبراء إقليميين.
ففي عام 2025، أربك الحوثيون حملة عسكرية أميركية كانت تهدف إلى وقف هجماتهم على الملاحة الدولية في البحر الأحمر. وواصلت الجماعة مهاجمة الطائرات المسيّرة الأميركية والسفن الدولية، بما في ذلك حاملة طائرات أميركية.
وقد كلفت المواجهة التي استمرت 31 يوماً، واشنطن أكثر من مليار دولار، وفي النهاية فضّل ترمب التوصل إلى اتفاق بدل المخاطرة بانخراط عسكري طويل الأمد.
وقد تسعى إيران إلى خلق مواجهة طويلة ومميتة يمكن أن تضر بترمب في عام انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، حسبما نقلت "نيويورك تايمز" عن محللين.


0 تعليقات