هل يرد ترامب "الجميل" لنتنياهو بقرع طبول الحرب ضد إيران؟
رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، جميع مقترحات إدارة الأميركي السابق، جو بايدن، لوقف الحرب على غزة، وعزا أبرز المحللين السياسيين والعسكريين هذا الرفض إلى أن نتنياهو لم يرغب بأن تسجل إدارة بايدن إنجازًا سياسيًا، عشية انتخابات الرئاسة الأميركية، في تشرين الثاني/نوفمبر العام 2024، التي تنافست فيها نائبة بايدن، كامالا هاريس، التي وجهت انتقادات لإسرائيل بسبب استمرار حرب الإبادة، مقابل الرئيس الأسبق، دونالد ترامب.
تابعوا تطبيق "عرب ٤٨"... سرعة الخبر | دقة المعلومات | عمق التحليلات
خلال معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية، أيد نتنياهو ترامب والحزب الجمهوري بشكل بارز جدًا، لدرجة أنه اتهم في إسرائيل بأنه يقوض التأييد التاريخي لإسرائيل الذي يجمع عليه الحزبين الأميركيين، لكن نتنياهو لم يأبه بذلك وانتقل إلى التأييد العلني لترامب والجمهوريين.
في حينه، كان يصرح ترامب أنه بعد توليه الرئاسة لن يشعل حروبًا وإنما سيوقف حروبا مشتعلة، في إشارة خصوصًا إلى الحرب على غزة وحرب روسيا وأوكرانيا. وبعد فوزه بالرئاسة بدأ يرسل مبعوثه، ستيف ويتكوف، إلى المنطقة، وتوصل إلى صفقة وقف إطلاق نار وتبادل أسرى بين إسرائيل وحركة حماس بمشاركة دول الوساطة، والتي بدأ تنفيذها في كانون الثاني/يناير 2025، وقبيل تنصيب ترامب رئيسًا بأيام معدودة.
ترامب لم يفرض على نتنياهو وقف الحرب كليًا، التي استأنفتها إسرائيل في آذار/مارس. وبعد تقديمه خطته المؤلفة من 20 بندًا، تشرين الأول/أكتوبر 2025، لوقف الحرب وتبادل الأسرى، سمح ترامب لإسرائيل بمواصلة الحرب، ولكن من جانبها فقط، ما أسفر حتى الآن عن ارتقاء 492 شهيدًا فلسطينيًا. وسمح ترامب باستمرار الحرب لأن نتنياهو يريد ذلك ويتذرع بأن حكومته سيسقطها بن غفير وسموتريتش إذا أوقف الحرب.
بعد فوز ترامب بالرئاسة، كتب محللون إسرائيليون، بينهم المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، أن ترامب لا يحب نتنياهو فحسب، وأن الأهم من هذه المحبة هو أن ترامب يشعر أنه مدين لنتنياهو بسبب دعمه له وانتخابه رئيسًا لولاية ثانية. وليس مستبعدًا أن ترامب يسعى الآن إلى "رد الجميل" لنتنياهو بواسطة قرع طبول الحرب ضد إيران.
فإسرائيل باتت الآن في سنة انتخابات. وتجمع الاستطلاعات أن نتنياهو وحلفاءه لن يفوزوا فيها، بل تُظهر الاستطلاعات أحيانًا أن أحزاب المعارضة ستفوز. ويعتبر نتنياهو وحلفاؤه أن الجمهور الإسرائيلي يؤيد الحروب، بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ودعم ترامب لنتنياهو من خلال حرب ضد إيران الآن، لن يؤدي إلى فوز نتنياهو في الانتخاب، وإنما الهدف هو ألا يفوز خصومه في المعارضة بأغلبية في الكنيست. وهذا يذكر بالمأزق السياسي الإسرائيلي، في الأعوام 2019 – 2021، التي جرت خلالها أربع جولات انتخابية قبل أن يتمكن معسكر المعارضة من تشكيل حكومة استمرت ولايتها لسنة ونصف السنة فقط.
يصبح هذا السيناريو واقعيًا في ظل تصريحات ترامب، التي لا توضح سبب سعيه إلى هذه الحرب. وهو يقول إنه سيشن الحرب بسبب اضطهاد النظام الإيراني لشعبه وقمع احتجاجاته. وهو يعلن أن الحرب وشيكة ثم يصرح بأن النظام تراجع عن إعدام متظاهرين وأن الاحتجاجات توقفت. وحسب التقارير، فإن لا أحد يعلم إذا كان ترامب سيقرر مهاجمة إيران أو متى سيهاجمها. لكن المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، أشار مؤخرًا إلى أنه من الجائز أن ترامب أبلغ نتنياهو بخططه بهذا الخصوص.
في هذه الأثناء، يدعو ترامب الإيرانيين إلى محادثات وفي الوقت نفسه يهدد بمهاجمتهم. وكتب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الأربعاء، أنه "نأمل أن تجلس إيران سريعًا إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف، بلا أسلحة نووية. اتفاق يصب في مصلحة جميع الأطراف. الوقت ينفد، إنه أمر بالغ الأهمية"، وأردف أن "الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير. لا تجعلوا ذلك يحدث ثانية"، وأن "أسطولًا أميركيًا يتجه نحو إيران".
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر قولها إن ترامب يدرس خيارات ضد إيران، تشمل شن ضربات محددة الأهداف على قوات الأمن والقادة لدعم المتظاهرين، وأن ترامب يريد تهيئة الظروف من أجل إسقاط النظام، بسبب قمع الاحتجاجات، بادعاء أن هجمات أميركية ستمنح المتظاهرين في إيران الثقة في قدرتهم على اقتحام المباني الحكومية والأمنية.
وقال مصدر أميركي مطلع إن الخيارات التي يناقشها مساعدو ترامب قد تشمل أيضًا استهداف الصواريخ الباليستية، لمنع استهداف حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بينما أشار مصدر أميركي مطلع آخر إلى أن ترامب لم يتخذ بعد قرارًا نهائيًا بشأن كيفية التعامل مع إيران بما في ذلك ما إذا كان سيتخذ مسارًا عسكريًا، حسب "رويترز".
لكن مسؤولين ودبلوماسيين عربًا وغربيين أشاروا إلى أن هجومًا أميركيًا سيحقق نتيجة عكسية، بأن يضعف الاحتجاجات، بسبب خوف المتظاهرين من قمع النظام وكذلك من القصف الأميركي في إيران.
قدرات إيرانية لم تستخدم سابقا
وقال مسؤول إسرائيلي لـ"رويترز" إن "الغارات الجوية لوحدها لن تسقط النظام"، وأن إسقاط النظام يتطلب توغلاً بريًا في إيران، وضغطًا خارجيًا ومعارضة منظمة، وشدد على أن هذه ظروف ليست موجودة حاليًا.
وقال الباحث في برنامج إيران في "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، داني سيترينوفيتش، لإذاعة 103FM، أمس، إن "الإيرانيين لا يريدون الحرب، لكنهم لن يوافقوا على إملاءات ترامب". وتطرق إلى ما كتبه مستشار خامنئي، علي شمخاني، في منصة "إكس" بأن أي عمل عسكري أميركي سيؤدي إلى استهداف إيران للولايات المتحدة وإسرائيل ومن يدعمهما. وقال سيترينوفيتش إنه "ينبغي أخذ أقوال شمخاني بجدية كاملة. فهو أحد أهم الأشخاص في صناعة القرار في إيران. وهو لا يتحدث نيابة عن نفسه فقط".
حسب سيترينوفيتش، فإن "علينا أن نأخذ بالحسبان أن الإيرانيين يسعون إلى ردع الأميركيين وإسرائيل، وحتى إذا شن الأميركيون هجومًا محدودًا، فإن الإيرانيين سيرون بذلك محاولة لإسقاط النظام، ولذلك قد يستخدمون قدرات عديدة لم يستخدموها في حرب الـ12 يومًا، من أجل استهداف إسرائيل أيضًا. وعلينا في إسرائيل أن نأخذ بالحسبان أنه عندما يبدأ هجوم أميركي، سيرتفع احتمال ضلوعنا في الحرب بشكل كبير".
كذلك يحذر خبراء من عواقب حدوث فراغ في الحكم في إيران، خاصة وأنه لا يوجد وريث يحل مكان خامنئي، ولذلك قد يستولي الحرس الثوري على الحكم وترسيخ حكم متطرف أكثر وتصعيد المواجهة مع إسرائيل والغرب حول البرنامج النووي وتصعيد التوتر الإقليمي. ولذلك تتعالى دعوات في الخليج وتركيا إلى تفضيل مسار دبلوماسي مع إيران، التي يصل عدد سكانها إلى 90 مليون نسمة، وتواجه صراعات طائفية وإثنية من شأنها أن تؤدي إلى عدم استقرار يتجاوز حدود إيران، وربما يتدهور الوضع إلى حرب أهلية، مثلما حدث في العراق بعد الغزو الأميركي، في العام 2003، وسيؤدي إلى عرقلة عبور ناقلات النفط من مضيق هرمز.
الحرب على غزة والتضليل الإعلامي
في سياق ضرورة استمرار الحروب التي تشنها إسرائيل، فإنه يجب إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار، من شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بموجب خطة ترامب الذي يسمح لإسرائيل بخرقه يوميًا، بل واستئناف حرب الإبادة على غزة بكل قوة، وذلك بادعاء نزع سلاح حماس.
بالإمكان القول طبعًا إن الحروب الإسرائيلية تدور من أجل مصلحة نتنياهو، لكن الحقيقة هي أن الأحزاب الصهيونية في المعارضة تؤيد استمرار الحرب على غزة خاصة وأن ذريعتها هي نزع سلاح حماس، وهذا يحشد تأييدًا واسعًا في الجمهور الإسرائيلي، ولذلك تشارك وسائل الإعلام الإسرائيلية في التضليل، فهي لا تخاطب غير الجمهور الإسرائيلي.
في التقارير حول الحرب على غزة، لا تذكر وسائل الإعلام هذه عادة مصادرها بالاسم والمنصب، وإنما تكون الصياغة على شكل أنه "يوصون في الجيش الإسرائيلي"، وذلك لأن الجيش الإسرائيلي هو بقرة مقدسة ويحظى بأعلى ثقة لدى الإسرائيليين.
في هذا السياق، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس الخميس، أنه "يوصون في الجيش الإسرائيلي بوقف فوري لـ4200 شاحنة الإمدادات التي تنقلها إسرائيل إلى حماس أسبوعيًا، وذلك بعد تحرير الرهائن واستكمال المرحلة الأولى نهائيًا في اتفاق وقف إطلاق النار".
وأضافت الصحيفة أن "التحذيرات الأشد التي تصدر عن ضباط الجيش الإسرائيلي هي بالأساس بسبب عدم وجود مبادرة إسرائيلية تالية، والتقديرات بأن حماس ستستمر بالانتعاش ولن يتم نزع سلاحه طبعًا، ولذلك لا مفر سوى استئناف الجيش الإسرائيلي للقتال في القطاع".
وتابعت الصحيفة، كمثال على التضليل، أنه "يتخوفون في جهاز الأمن من إرغام إسرائيل على الموافقة على أن تكون قطر وتركيا الممولتين الرئيسيتين لبناء قطاع غزة مجددًا لسكانها، ويقولون إنه لا نرى إمكانية لأن توافق دول أخرى على قيادة إعادة الإعمار من حيث التمويل. وفي جميع الأحوال يقضي الاتفاق بأنه لا إعادة إعمار بدون نزع سلاح حماس".
رغم أن هذه مواقف سياسية، وتعبر عنها الحكومة الإسرائيلية بالأساس، إلا أن الإعلام الإسرائيلي يسوقها على أنها مواقف الجيش الإسرائيلي، لأن نسبة ضئيلة من هذا الجمهور يثق بالقيادة السياسية، وليس بالحكومة فقط وإنما بالأحزاب كلها.
في ظل الأجواء السياسية في إسرائيل، ومن خلال هذا الخطاب، تنفذ إسرائيل مشروعها الحربي، الذي يهدف إلى منع وقف الحرب على غزة، ومنع إعادة الإعمار بادعاء أن لا أحد سيموله سوى قطر وتركيا، ويهدف أيضًا إلى استمرار تجويع الغزيين. لكن إسرائيل ترفض أيضًا أن يكون أي بديل لحماس في حكم قطاع غزة، ولجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة التي تشكلت بموجب خطة ترامب، لا تسمح إسرائيل لأعضائها بالدخول إلى القطاع.
وإسرائيل لم تتنازل حتى الآن عن تهجير الغزيين إلى خارج القطاع، والاستيطان فيه، ويصرح الوزير بتسلئيل سموتريتش بذلك صباح مساء وفي كل مناسبة.
وقال السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع المستوطنين، إن خطة الترانسفير لتهجير سكان قطاع غزة، التي يصفها بأنها خطة "هجرة طوعية"، ما زالت مطروحة. وشدد في مقابلة لصحيفة "ماكور ريشون" اليمينية المتطرفة، قبل أسبوعين، أنه "لا أعتقد أنه الآن أيضًا أزيلت عن الطاولة"، وأنه "إذا أراد الناس مغادرة غزة، سيمنحون فرصة بالمغادرة. وهذا سيكون متعلقًا بالدول التي قررت أنها مستعدة لاستقبالهم".


0 تعليقات