جرينلاند.. من "هامش متجمّد" إلى دائرة صراع النفوذ بين القوى العالمية


 جرينلاند.. من "هامش متجمّد" إلى دائرة صراع النفوذ بين القوى العالمية

لم تكن جرينلاند، في النظرة الأوروبية التقليدية، سوى بقعة بيضاء على حافة الخرائط، جزيرة بعيدة قليلة السكان، تتجاور فيها العواصف القطبية مع صمت الثلج الأزلي، إلا أنها تحولت مؤخراً إلى بورة لصراع النفوذ عبر ضفتي الأطلسي، مع تصاعد المطالب الأميركية بضم الجزيرة والمساعي الأوروبية الرامية للحيلولة دون ذلك، مع تنامي تحركات الصين وروسيا في السباق نحو الجزيرة. 

على مدى عقود، عُرفت جرينلاند في الوعي الأوروبي والأطلسي كهامش جغرافي بارد، تحتوي على وجود عسكري أميركي ممثل في قاعدة "ثول"، المعروفة حالياً باسم قاعدة بيتوفيك الفضائية Pituffik Space Base، الواقعة في شمال غرب للجزيرة، والتي لطالما كانت بمثابة ممر مكسو بالجليد لعمليات حلف شمال الأطلسي، أكثر منها ساحة لصنع القرار أو اختباراً لموازين القوى.

اليوم، انتقلت هذه الجزيرة المترامية الأطراف، إلى قلب المعادلة الجيوسياسية، في لحظة يتحول فيها القطب الشمالي إلى فضاء مفتوح للملاحة والاستثمار والتنافس العسكري، في ظل ارتفاع حرارة المنطقة بنحو أربع مرات، أسرع من المعدّل العالمي خلال العقود الأخيرة.

ثروات نادرة تحت الجليد

تحت هذا الجليد الذائب، تختبئ طبقات من المعادن النادرة، التي باتت بمثابة "نفط العصر الرقمي"، وتشكل هذه الثروات وقوداً يُحرّك عجلة التحول التقني والتطور الرقمي حول العالم.

وتقدّر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، ومراكز أبحاث متخصصة احتياطيات أكاسيد العناصر النادرة في جرينلاند بنحو "1.5 مليون طن متري"، وهي ضرورية للتقنيات الحديثة والطاقة النظيفة وأنظمة الدفاع العسكري. وتشمل هذه العناصر "النيوديميوم والبراسيوديوم والتيربيوم والديسبروسيوم واليتريوم"، مع ارتباط بعض المكامن بخامات حاملة لليورانيوم والزنك.

ويبرز في هذا السياق، مشروع "كفانيفيلد" في جنوب جرينلاند، الذي تصفه دراسات تقنية، بأنه مشروع "ذو أهمية استراتيجية عالمية"، كونه متعدد الموارد، إذ يشمل عناصر نادرة بالإضافة إلى اليورانيوم والزنك، وقادر نظرياً على أن يصبح مورداً عالمياً للعناصر النادرة.

ومع عودة الحديث عن "شراء جرينلاند" إلى خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تتخذ الجزيرة في نظر الأوروبيين شكل مرآة مضخّمة لمشكلة أعمق: وهي أزمة علاقة أوروبا مع نفسها أولاً، ثم علاقتها بشريكها الأطلسي‑الأميركي.

أبرز المعادن الثمينة في جرينلاند

تمتلك جرينلاند نحو 1.5 مليون طن متري من الاحتياطي المؤكَّد من العناصر الأرضية النادرة، ما يضعها في المرتبة الثامنة عالمياً من حيث الاحتياطات من هذه المعادن، وأبرزها:
  • اليورانيوم.

  • الزنك.

  • الذهب.

  • الليثيوم.

  •  الديسبروسيوم (وهو عنصر كيميائي أرضي نادر يستخدم في صناعة محركات السيارات الكهربائية).

  • التيربيوم (وهو عنصر كيميائي نادر أيضاً يُستخدم في انتاج وتصنيع تطبيقات التكنولوجيا المتقدمة، مثل المغنطيس فائق القوة، أشباه الموصلات، شاشات الهواتف، وفي مجالات الدفاع والطاقة المتجددة).

  •  الجرافيت عالية الجودة، ويُستخدم في إنتاج أقطاب بطاريات المركبات الكهربائية، والتقنيات المتجددة.
حين طُرحت فكرة "شراء جرينلاند" للمرة الأولى من جانب ترمب، اعتبرتها عواصم أوروبية عديدة نوعاً من المزاح السياسي الثقيل. لكن إصراره على ربطها بـ"الأمن القومي"، واعتباره أن "الولايات المتحدة وحدها يمكنها الدفاع عن جرينلاند"، جعل نواقيس الخطر تقرع في كل من بروكسل وكوبنهاجن.

جرينلاند في الوعي الأوروبي

جيمس موران، الدبلوماسي البريطاني البريطاني السابق الذي شغل مناصب رفيعة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، يلخّص هذا الارتباك قائلاً في تصريحات لـ"الشرق"، إن ما لدى الأوروبيين حتى الآن "ليس قراراً فعلياً، بل مجرد تصريحات من ترمب حول وجوب أن تحصل الولايات المتحدة على جرينلاند وأن تكون وحدها القادرة على الدفاع عنها، لأن زلّاجتا كلاب لن تفيا بالغرض".

والاثنين الماضي، تهكم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على دفاع جرينلاند واصفاً إياه بأنه "زلاجتان تجرهما كلاب"، ملوّحاً بأن الولايات المتحدة ستضم الجزيرة التابعة للدنمارك "بطريقة أو بأخرى".

لكن موران يصف هذه اللغة بأنها "نوع من التهويل الترمبي النمطي أكثر منه سياسة متماسكة"، وفي الوقت نفسه يحذِّر من الاستخفاف بالموضوع، إذ يرى أن خلف هذه العبارات "سؤالاً استراتيجياً حقيقياً وحاجة لمزيد من العمل في ما يتعلق بالدفاع عن جرينلاند"، في إشارة إلى نقاش فعلي يدور في أروقة الناتو حول الجبهة القطبية.

الخبير الروسي في الشؤون الأوروبية، ومدير مكتب وكالة "ريا نوفوستي" الروسية في بروكسل، يوري أبرليف، يعتبر أن الرئيس ترمب "جاد تماماً في مسعاه لضم الجزيرة"، واصفاً تصريحاته بأنها "خطوة يسعى لأن يجعلها تاريخية عبر توسيع أميركا وجعلها عظيمة مرة أخرى".  

ويشير أبرليف، الذي يتابع التحولات السريعة في جرينلاند وزارها 4 مرات خلال عام، إلى أن وصف تصريحات ترمب بأنها مجرد مزاح أو محاولة للضغط على الاتحاد الأوروبي "هو فهم سطحي لطبيعة الرجل وسجله السياسي".

وأوضح أبرليف، في تصريحاته، أن ترمب "في كل مرة يعلق على الوضع الدولي، يفعل ما يقوله فعلياً"، مشيراً إلى أمثلة على ذلك في إيران وقطاع غزة، والآن في جرينلاند.

وأضاف أن الرئيس الأميركي يلاحق مصالح جغرافية وسياسية جديدة بعد فشل مشروعه في كندا، مستغلاً غياب الرد الأوروبي وصمت أمين عام حلف الناتو.

البلقان وعبء الذاكرة الأوروبية  

ليس جديداً أن تواجه أوروبا، أو إحدى دولها أزمة، فتخرج أصوات من القارّة، أو من مسؤولي الاتحاد، تؤكد قدرتها على الحل أو تقديم المساعدة، ثم يحدث العكس، وتتدخل الولايات المتحدة لتفرض الحسم. 

وفي هذا السياق، يستعيد يوهان ويك، الخبير في السياسة الأوروبية المشتركة وقانون منظمة التجارة العالمية، أحداث البلقان في تسعينيات القرن الماضي، مذكّراً بأن الخطاب الأوروبي آنذاك لم يختلف كثيراً عن الخطاب الحالي تجاه جرينلاند.

وأضاف ويك، في تصريحات لـ"الشرق"، أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، دائماً ما تقول: "جرينلاند والدنماركيون يمكنهم الاعتماد علينا".

ثم يعود الخبير الأوروبي إلى تسعينيات القرن الماضي، متسائلاً: "ألم يكن الأمر كذلك في 1991، عندما قال أحد الوزراء في لوكسمبورج سابقاً: "هذه لحظة أوروبا، البلقان الغربي شيء يخصُّنا؟"، وتابع: "حسناً، في عام 1995، وبعد الكثير من الفظائع، خاصةً في المجتمعات المسلمة، من الذي توسط في الاتفاقيات، اتفاقيات دايتون؟".

وجرت المفاوضات التي أنهت حرب البلقان بين قادة الصرب والكروات والبوسنة والهرسك في قاعدة رايت بترسون الجوية، قرب مدينة "دايتون" بولاية أوهايو عام 1995، ولهذا سُميت الاتفاقية باسم المدينة.

ويعتبر ويك أن المشكلة ليست تاريخية فقط، بل هي بنيوية مستمرة، موضحاً أن "السياسة الخارجية والأمنية المشتركة أُطلقت بموجب معاهدة ماستريخت في 1991 و1992، لكن المكوّن الدفاعي لا يعمل جيداً"، ويضيف أن هذا العجز نفسه يتكرر اليوم في ملف جرينلاند، حيث يظهر نمط "خطاب أوروبي مرتفع مع قدرة تنفيذية محدودة".

ومعاهدة ماستريخت، نسبة إلى مدينة هولندية شهدت توقيع المعاهدة التي شهدت على تأسيس الاتحاد الأوروبي في عام 1993، أي بعد عام من توقيعها.

قوة الردع الأوروبية

وتشير تقارير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولية SIPRI، وبيانات حلف شمال الأطلسي "الناتو"، إلى أن الولايات المتحدة تحملت في 2024 نحو 66% من إجمالي إنفاق الحلف (997 مليار دولار من أصل 1506 مليارات من الدولارات)، مع الاعتماد على القدرات الأميركية في مجالات حاسمة مثل الاستخبارات والدفاع الصاروخي.

في المقابل، وافق قادة الناتو في قمة لاهاي لعام 2025، على هدف جديد يقضي بزيادة إنفاق الحلفاء الدفاعي تدريجياً ليصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، ما يفرض ضغوطاً غير مسبوقة على ميزانيات الدفاع الأوروبية.

بدوره يؤكد جيمس موران، بأن "قوة الردع الأوروبية الذاتية لن تتبلور قبل أوائل ثلاثينيات هذا القرن"، مضيفاً أن هذا التأخير "ينعكس مباشرة على ملف جرينلاند، حيث تدرك أوروبا أن أمامها سنوات قليلة فقط لتحديد موقعها في المعادلة القطبية الجديدة، بينما يتحرك الآخرون بوتيرة أسرع".

اقتصاد متوتر ودفاع متضخم  

في الخلفية، يقف الاقتصاد الأوروبي على أرض رخوة. ويرصد تقرير البنك المركزي الأوروبي السنوي لعام 2024 نمواً ضعيفاً في منطقة اليورو، إذ بلغ نحو 0.9%، وارتفاعاً في الدين العام ليقترب من 90% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة تكاليف دعم الطاقة بعد حرب أوكرانيا وإرث الإنفاق خلال جائحة فيروس كورونا، مع تسجيل عجز في المالية العامة يتجاوز 3%.

تعكس هذه الأرقام تأثيرها على الحياة اليومية؛ إذ يصف يوهان ويك المشهد في الأحياء الشعبية الأوروبية قائلاً: "الوحدة في الاتحاد الأوروبي أصبحت سؤالاً يومياً، والانقسام واضح.

وأوضح: "إذا تجولتِ في الأحياء الشعبية أو في المطاعم والمقاهي، ستجد الأماكن فارغة، والناس لا يشترون، لأن الأسعار مرتفعة جداً، وكثير منهم ينامون في الشوارع". وفي الوقت الذي تتراجع فيه القوة الشرائية وتضعف الخدمات، تسجل موازنات الدفاع ارتفاعاً مستمراً.

وتشير بيانات الوكالة الأوروبية للدفاع، إلى أن إنفاق دول الاتحاد بلغ نحو 343 مليار يورو عام 2024، وارتفع إلى حوالي 381 مليار يورو في 2025، مع استمرار هذا التوجه التصاعدي في 2026، ضمن خطة تهدف إلى مضاعفة الإنفاق تقريبًا بحلول عام 2030.

وفي حين تتراجع القيمة الشرائية والخدمات، تُسجل، في المقابل، موازنات الدفاع ارتفاعاً متواصلاً؛ بيانات الوكالة الأوروبية للدفاع تُظهر أن إنفاق دول الاتحاد بلغ نحو 343 مليار يورو في 2024، مع ارتفاعه إلى قرابة 381 مليار يورو في 2025 واستمرار المسار التصاعدي في 2026 ضمن منحنى يستهدف مضاعفة الإنفاق تقريباً بحلول 2030.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز جرينلاند، ليس كمجرد "جزيرة بعيدة"، بل جزء من نقاش أوسع حول توزيع الموارد بين الأمن الاجتماعي والأمن العسكري، وحول معنى "الاستقلال الاستراتيجي" في قارة تعتمد على واردات الطاقة والمعادن، وعلى المظلة الأمنية الأميركية.

الاستراتيجية الأميركية في القطب الشمالي

من منظور واشنطن، لا تُرى جرينلاند كجزيرة معزولة، بل كحلقة مركزية في قوس يمتد من ألاسكا إلى شمال النرويج، مروراً بآيسلندا وصولاً إلى جرينلاند نفسها؛ قوسٌ تعتبره وثائق البنتاجون "خط الدفاع الأول" في مواجهة أي تهديد صاروخي أو بحري روسي في الشمال.

القاعدة الجوية الأميركية في "ثول"، أو ما يُعرف اليوم باسم قاعدة "بيتوفيك الفضائية " Pituffik Space Base، هي أقدم وأهم منشأة عسكرية أميركية في شمال غرب جرينلاند، وتُشغِّل رادارات إنذار مبكر للصواريخ، وتضم منشآت مراقبة الفضاء، ضمن قيادة قوة الفضاء الأميركية، والبُنية العسكرية القابلة للتوسع.

هذه المنشآت الحسّاسة، تجعل من الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الاستراتيجية الأميركية في المحيط المتجمد الشمالي.

ويتجاوز حساب ترمب البُعد العسكري إلى الموارد النادرة في الجزيرة، إذ تعتبر واشنطن جرينلاند "احتياطياً استراتيجياً" لا ينبغي تركه لأي منافس، سواء صينياً أو حتى أوروبياً.

ويربط الدبلوماسي البريطاني السابق، جيمس موران، هذا أيضاً بـ"الاعتبارات الضخية لترمب"، موضحاً أن كثيرين في أوروبا يرون أن الأمر بالنسبة له (ترمب) يتعلق بـ"إرثه"، فهو يسعى لأن يُنظَر إليه كرئيس وسع مساحة أراضي الولايات المتحدة بشكل هائل.

الصين وروسيا.. حضور محدود وذريعة فضفاضة

في الخيال الغربي، تظهر روسيا في القطب الشمالي عبر أسطولها من كاسحات الجليد النووية وخطوطها الملاحية على طول الممر الشمالي الشرقي، لكن على أرض الواقع، حضورها في درينلاند يكاد يكون معدوماً.

وفي هذا السياق، يقول جيمس موران: "حسب معلوماتي، لا يوجد أي وجود روسي فعلي في جرينلاند… فالقدرات الروسية متمركزة في أراضيهم، وبالأخص في مورمانسك شمال روسيا".

أما في ما يتعلق بالموقف الروسي، فينفي الصحافي الروسي أبرليف "وجود أي خطر روسي على جرينلاند"، مستشهداً بمواقف رسمية دنماركية أكدت أن "روسيا لم تهدد جرينلاند أبداً في التاريخ، فهي أكبر دولة قطبية في العالم، وتملك أراضٍ شاسعة هناك، ولا أحد في روسيا مهتم بجرينلاند". 

ويعتبر أبرليف أن تضخيم "الخطر الروسي" ليس سوى "نتاجٍ مباشر للدعاية الغربية"، مشدداً على أن "الأمن في جرينلاند اليوم تمسكه الولايات المتحدة"، إذ "تحتفظ بقاعدة عسكرية شمالاً تضم نحو مائتي جندي بموجب معاهدة 1951".  

الصين بدورها تتحرك بحذر؛ إذ أُتيحت لشركات صينية أو مرتبطة بها رُخَصْ تعدين في جرينلاند خلال العقدين الماضيين، مثل General Nice في مشروع إيسوا للحديد، وحصة Shenghe Resources في الشركة الأسترالية المطورة لمشروع "كفانيفيلد" للعناصر النادرة، إلا أن معظم هذه الرخص سُحب أو جُمِّد لأسباب بيئية وسياسية.

أما إعلان بكين لعام 2018 المعروف باسم "طريق الحرير القطبي"، فيمثل امتداداً بحرياً لمبادرة الحزام والطريق، ووضع المنطقة في صميم استراتيجيتها طويلة المدى، إلا أن نشاطها في جرينلاند ظل محدوداً مقارنة بما توحي به الخطابات السياسية في بعض العواصم الغربية.

خطر التدخل العسكري

ويعتقد موران، حسبما أشار في تصريحاته لـ"الشرق"، أن "الصينيين يمتلكون رخص تعدين في جرينلاند، لكن نشاطهم هناك محدود، وأي اهتمام لديهم يظل اقتصادياً بحتاً"، موضحاً أن "استخدام خطاب الخطر الروسي–الصيني يبدو أقرب إلى ذريعة أمنية لتبرير تحركات أميركية أحادية".

ويحذر موران من أن "أي تحرك عسكري أميركي منفرد نحو جرينلاند تحت هذه الذريعة قد يرسخ سابقة خطيرة، ويشجع قوى أخرى، خاصة الصين وروسيا، على اتخاذ خطوات مماثلة في ملفات مثل تايوان وأوكرانيا".

أما أبرليف، فإنه يشير في تحليله لبنية التحالف في المنطقة القطبية، إلى هشاشة الوجود الأوروبي، موضحاً أن "القوات الأوروبية في درينلاند تتألف من جندي بريطاني واحد، وجنديين من الدول الشمالية، وجندي ألماني، بينما القواعد الأميركية موجودة بالفعل".

ويرى أبرليف أن أوروبا "مهما قالت، لن تغادر حلف الناتو"، مستذكراً سوابق مثل العراق وليبيا، حيث تجلّى اعتمادها الكامل على واشنطن في المجال الأمني. ويضيف أنه "رغم امتلاك بعض الدول الأوروبية للقوى النووية، إلا أن أوروبا ضعيفة جداً للرد"، وهو ما يعزز، برأيه "ثقة ترمب بنجاح خطته في ظل تحولات جيوسياسية تتجاوز جرينلاند لتطال مستقبل التوازن العالمي بأسره".

جرينلاند بين "السيادة الأوروبية" ومواجهة الحليف الأكبر 

قانونياً، تُعد جرينلاند في وضع معقد. فهي جزء من مملكة الدنمارك، لكنها انسحبت من الجماعة الأوروبية بعد استفتاء عام 1985، وأصبحت اليوم "إقليماً شريكاً" ضمن فئة الأقاليم والدول ما وراء البحار OCTs، مع آليات خاصة للتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات الصيد والتنمية والتجارة.

وتُظهر بيانات المفوضية الأوروبيةK أن حجم التجارة بين الاتحاد وجرينلاند يتجاوز مليار يورو سنوياً، مع اعتماد الاقتصاد الجرينلاندي بشكل واضح على السوق الأوروبية، سواء في تصدير المنتجات السمكية أو استيراد السلع الصناعية.

هذه الروابط تجعل أي تحرك أميركي أحادي تجاه الجزيرة "قضية أوروبية بامتياز"، تتجاوز الإطار الثنائي بين واشنطن وكوبنهاجن، وتثير تساؤلات حول سيادة الدنمارك ومعنى التضامن الأوروبي، عندما تواجه دولة عضو ضغطاً من حليفها الأكبر عبر الأطلسي.

حقائق عن جرينلاند

  • الموقع: جرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، وتقع في المحيط المتجمد الشمالي بين أميركا الشمالية وأوروبا.
  • الوضع السياسي: تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، مع احتفاظ كوبنهاجن بملفات الدفاع والسياسة الخارجية.
  • عدد السكان: يبلغ عدد سكان الجزيرة نحو 58 ألف نسمة وفق تقديرات وكالة الاستخبارات الأميركية لعام 2023، بينما تشير بيانات حديثة لموقع Worldometer إلى تراجع العدد إلى نحو 55,701  نسمة.
التركيبة السكانية (تقديرات 2022):
  • السكان الأصليون من شعب الإينويت:  89.1%
  • الدنماركيون:  7.5%
  • شعوب نوردية أخرى:  0.9%
  • جنسيات أخرى: 2.5%
في هذا السياق، يرى الخبير في السياسة الأوروبية المشتركة وقانون منظمة التجارة العالمية، يوهان ويك، أن "الاتحاد الأوروبي ضعيف، يضم 27 دولة معظمها متلقية، ولا توجد نخبة حقيقية تستطيع مواجهة ترمب".

ويضيف في تصريحاته لـ"الشرق"، أن "السيدات الأوروبيات الثلاث، (رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس)، غير قادرات على مواجهة ترمب"، معتبراً أن أزمة القيادة هذه لا تقتصر على جرينلاند، بل تمس "المشروع الأوروبي بأكمله في مواجهة عالم سريع التغير".

"عقيدة أوروبية" للأمن القطبي 

وأمام هذا التشابك، تتزايد الدعوات في بعض الأوساط الأوروبية إلى بلورة "عقيدة قطبية" متكاملة، لا تختزل القطب الشمالي في بعده العسكري فقط، ولا تفصله عن الجوانب المناخية والاقتصادية والقانون الدولي.

وترسم تقارير المعهد الأوروبي للدراسات الأمنية EUISS، ومنها تقرير Arctic Security Matters، ملامح مقاربة ثلاثية تقوم على تعزيز الحضور الميداني والعلمي واللوجستي الأوروبي عبر محطات بحث ومرافئ ذات استخدام مزدوج في النرويج وأيسلندا وجرينلاند.

وترتكز هذه المقاربة على شراكات صناعية وبيئية مع جرينلاند والدنمارك لاستثمار الموارد، ولا سيما المعادن النادرة، ضمن أطر تحكمها المعايير الأوروبية، بما كي لاتتحول الجزيرة إلى ساحة استنزاف لشركات من خارج القارة، بالتوازي مع تفعيل دبلوماسية قطبية فاعلة داخل مجلس القطب الشمالي، والتشديد على الالتزام باتفاقية قانون البحار للحد من أي خطوات أحادية.

وتندرج هذه الطروحات ضمن سلسلة أوراق سياسات أخرى تتناول "طموحات الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية في القطب المتغيّر"، حيث تصف القطب الشمالي بأنه "الحدود الاستراتيجية الجديدة لأوروبا"، وتربط بين حماية المناخ وأمن الطاقة والمعادن، وضرورة بناء حضور أوروبي منظم داخل المؤسسات القطبية، بدلاً من ترك الساحة بالكامل للولايات المتحدة وروسيا والصين.

ويؤكد جيمس موران، أن أوروبا "لا تزال بحاجة إلى الأميركيين داخل مظلتها الدفاعية، لا خارجها، إلى أن تكتمل قدراتها الذاتية"، لكنه يلمّح في الوقت نفسه إلى رهان أوروبي على ما يسميه "الصبر الاستراتيجي"، انتظاراً لتوازنات جديدة داخل الكونجرس لكبح اندفاعة ترمب.

أوروبا واختبار الشمال  

في المحصلة، تطرح جرينلاند سؤالاً موجّهاً إلى أوروبا قبل أن تكون مجرد ورقة في يد واشنطن: "هل تستطيع القارة أن تتصرف كفاعل جيوسياسي موحّد عندما يتعلق الأمر بحدودها القصوى؟ أم أنها ستكتفي مرة أخرى بدور المتلقي لقرارات تُحسَم في عواصم أخرى؟"، فبينما يؤكد ترمب أن "الولايات المتحدة وحدها قادرة على الدفاع عن جرينلاند"، يعبّر يوهان ويك عن "مخاوف أوروبية حقيقية"، محذّراً من احتمال فقدان الجزيرة إذا لم يتحرك الأوروبيون في الوقت المناسب.

وبين هاتين المقاربتين، تتقلص مساحة الخيارات أمام أوروبا، بين انتظار تبدل التوازنات داخل السياسة الأميركية، وبين السعي إلى بناء ردّ أوروبي متماسك ورادع، يجمع بين الحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي وتطوير قدر متدرّج من الاستقلال الاستراتيجي.

وإذا كانت تجربة البلقان قد علّمت بروكسل أن الحياد في الأزمات مُكلف، فإن تجربة أوكرانيا عمّقت هذا الدرس. 

أما جرينلاند فتضيف إليه بعداً جديداً؛ ففي زمن الأقطاب المتعددة والممرات القطبية المفتوحة، لم يعد التردد مجرد خيار آمن، بل ترفاً تاريخياً قد لا يتكرر، فيما تقترب الجزيرة البعيدة، أكثر فأكثر من قلب السؤال الأوروبي عن حدود القارة العجوز ودورها في عالم يتغير بسرعة.

إرسال تعليق

0 تعليقات

تعريف الارتباط

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.