تهديدات ترمب.. ضغوط إضافية تعمق أزمات إيران في مواجهة احتجاجات متصاعدة
تعيش إيران على وقع احتجاجات شعبية تتزايد في الاتساع، إذ شملت معظم محافظات البلاد، احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات التضخم، فيما واصلت الولايات المتحدة ضغوطها وتهديداتها بشن عمل عسكري.
واكتسب تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران، الأسبوع الماضي، والذي حذّر فيه من أن الولايات المتحدة "ستتدخل لإنقاذ المتظاهرين"، إذا قامت طهران بـ"قتل المحتجين السلميين"، دلالة جديدة بعد إقدام القوات الأميركية على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف القديم لإيران.
وأعاد ترمب التأكيد مجدداً على هذه التهديدات، قائلاً للصحافيين على متن طائرة الرئاسة الأميركية "إير فورس وان" في وقت متأخر من مساء الأحد: "نحن نراقب الوضع عن كثب، إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي، فأعتقد أنهم سيتعرضون لضربة قاسية جداً من الولايات المتحدة".
وفي تأكيد على هذه التهديدات، نشر حساب وزارة الخارجية الأميركية باللغة الفارسية على منصة "إكس"، صورةً لترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو، أثناء مشاهدتهما اعتقال نيكولاس مادورو، مضيفاً عبارة "الرئيس ترمب رجل أفعال، إن لم تكونوا تعلمون، فها أنتم تعلمون الآن، لا تعلبوا معه".
ولا تزال طهران تعاني من تبعات حرب استمرت 12 يوماً شنتها إسرائيل في يونيو الماضي، وشهدت قيام الولايات المتحدة بقصف مواقع نووية داخل إيران.
كما أدى الضغط الاقتصادي، الذي تفاقم منذ سبتمبر الماضي، عندما أعادت الأمم المتحدة فرض عقوباتها على طهران بسبب البرنامج النووي، إلى انهيار العملة الإيرانية، والتي باتت تُتداول عند نحو 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الواحد.
واعتبرت إيران أن تصريحات ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن "الشؤون الداخلية" للبلاد، "تحريض على العنف والإرهاب والقتل".
وقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إن إسرائيل "تسعى جاهدة لاستغلال كل فرصة سانحة لإثارة الفتنة وتقويض التماسك الوطني، وعلينا أن نكون حذرين".
توسع رقعة الاحتجاجات
قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان "هرانا"، ومقرها الولايات المتحدة، في تقرير صدر، فجر الاثنين، إن التظاهرات وصلت إلى أكثر من 220 موقعاً في 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية، حسبما أوردت وكالة "أسوشيتد برس"، التي أفادت بارتفاع عدد ضحايا الاشتباكات إلى ما لا يقل عن 20 شخصاً، مع تسجيل أكثر من 990 حالة اعتقال.
وتستند الوكالة في تقاريرها إلى شبكة من النشطاء داخل إيران.
لكن فهم الحجم الحقيقي للاحتجاجات لا يزال صعباً، إذ قدّمت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، معلومات محدودة للغاية. كما لا تُظهر مقاطع الفيديو المتداولة عبر الإنترنت سوى لقطات قصيرة ومهتزة لأشخاص في الشوارع أو أصوات إطلاق نار.
ورغم ذلك، لا تبدو الاحتجاجات في طريقها إلى التراجع، حتى بعد أن قال المرشد الأعلى علي خامنئي، السبت، أنه " يجب وضع حد لأعمال الشغب".
واعتبر علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الجمعة، أن إسرائيل والولايات المتحدة تؤججان الاحتجاجات المتصاعدة. كما قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في منشور على منصة "إكس"، إن تهديد ترمب بالتدخل يجعل القواعد الأميركية في المنطقة "أهدافاً مشروعة".
أزمة اقتصادية متفاقمة
أدى انهيار الريال إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، حيث ارتفعت أسعار اللحوم والأرز وغيرها من السلع الأساسي. وتعاني إيران من معدل تضخم سنوي يناهز 40%.
وفي ديسمبر، رفعت إيران سعر البنزين المدعم، ما أدى إلى رفع تكلفة أحد أرخص أنواع الوقود في العالم، ما زاد من الضغط على السكان.
وقد تلجأ الحكومة إلى زيادات أكبر مستقبلاً، إذ ستُراجع الأسعار كل ثلاثة أشهر.
وبدأت الاحتجاجات أولاً مع التجار في طهران قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى. ورغم أن مطالبها ركزت في البداية على القضايا الاقتصادية، سرعان ما تحولت إلى شعارات مناهضة للحكومة.
وتراكم الغضب الشعبي على مدى سنوات، لا سيما بعد وفاة الشابة مهسا أميني (22 عاماً) أثناء احتجازها لدى الشرطة في عام 2022، وهو ما فجّر احتجاجات واسعة النطاق آنذاك.
وحتى قبل الهجوم الإسرائيلي الأميركي المشترك في يونيو، كان الاقتصاد الإيراني في حالة تدهور حاد، متأثراً بالعقوبات وارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة الإيرانية أمام الدولار، ما أدى إلى معاناة الأسر في تأمين احتياجاتها.
وتفاقمت مشكلات البلاد بسبب أزمة المياه والطاقة العام الماضي، وأدت إلى انقطاع المياه والكهرباء في عدة مناطق.
البرنامج النووي
يعتبر البرنامج النووي الإيراني أحد ملفات الخلاف الرئيسية بين طهران والدول الغربية، رغم إصرارها على سلمية البرنامج، وعدم سعيها إلى امتلاك سلاح نووي.
وقبل الضربة الأميركية في يونيو، كانت إيران تخصب اليورانيوم بمستويات قريبة من درجة الاستخدام العسكري، لتصبح الدولة الوحيدة في العالم التي تفعل ذلك من دون امتلاك برنامج أسلحة نووية معلن.
كما قلصت طهران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الجهة الرقابية النووية التابعة للأمم المتحدة، بعد الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مواقعها النووية.
وتقيّم أجهزة الاستخبارات الأميركية، أن إيران لم تبدأ بعد برنامجاً لتصنيع سلاح نووي، لكنها "قامت بأنشطة تضعها في موقع أفضل لإنتاج جهاز نووي إذا اختارت ذلك".
ومؤخراً، أعلنت إيران أنها لم تعد تخصب اليورانيوم في أي موقع داخل البلاد، في محاولة لإرسال إشارة إلى الغرب بأنها لا تزال منفتحة على مفاوضات محتملة لتخفيف العقوبات، غير أنه لم تُسجل محادثات جوهرية منذ حرب يونيو.
إرث تاريخي من العلاقات المتوترة
قبل عقود، كانت إيران أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، الذي اشترى أسلحة أميركية وسمح لوكالة الاستخبارات المركزية CIA، بإدارة محطات تنصت سرية لمراقبة الاتحاد السوفيتي، وفق "أسوشيتد برس". وكانت CIA قد لعبت دوراً في انقلاب عام 1953 الذي عزز حكم الشاه.
لكن في يناير 1979، فرّ الشاه من إيران مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية. وتلت ذلك الثورة الإسلامية بقيادة الخميني، التي أسست نظام الحكم الديني في البلاد.
وفي وقت لاحق من العام نفسه، اقتحم طلاب جامعيون السفارة الأميركية في طهران، مطالبين بتسليم الشاه، ما أدى إلى أزمة احتجاز الرهائن التي استمرت 444 يوماً وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، دعّمت الولايات المتحدة صدام حسين، وشنت هجوماً بحرياً ليوم واحد ألحق أضراراً جسيمة بإيران ضمن ما عُرف بـ"حرب الناقلات"، كما أسقطت طائرة ركاب إيرانية قالت إنها ظنتها طائرة حربية.
ومنذ ذلك الحين، تراوحت العلاقات بين العداء والدبلوماسية الحذرة، وبلغت ذروتها مع الاتفاق النووي في عام 2015، الذي حدّ من البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات. لكن ترمب انسحب من الاتفاق من جانب واحد عام 2018، ما أشعل توترات جديدة في الشرق الأوسط.


0 تعليقات