من "الإدارة الدولية" إلى "إعادة الإعمار": هل تُشبه خطة ترمب لغزة تجارب سابقة لإدارة أقاليم ما بعد الحروب؟
أعاد بيان للبيت الأبيض، صدر في 16 يناير 2026، إلى واجهة النقاش سؤالاً قديماً في تاريخ ما بعد الحروب: ماذا يحدث عندما تُناط إدارة إقليم مدمَّر بآلية انتقالية ذات طابع دولي - أمنياً وتمويلياً وإدارياً - بينما تبقى مسألة السيادة والتمثيل السياسي موضع نزاع؟
فالبيان يعلن تشكيل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (NCAG) بقيادة الدكتور علي شعث، باعتبارها "خطوة محورية" لتطبيق "المرحلة الثانية" من "الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة" التي يصفها البيت الأبيض بأنها "خارطة طريق من 20 نقطة" للسلام وإعادة الإعمار والازدهار.
وبينما يقدّمها مؤيدوها كنموذج "حُكم تكنوقراطي" يسرّع إعادة الخدمات ويستقطب التمويل، يرى منتقدون أنها تُحاكي، في بعض جوانبها، سوابق تاريخية ارتبطت بإدارة دولية أو شبه دولية لأقاليم ما بعد النزاعات، مع ما يحمل ذلك من فرص ومخاطر على حد سواء.
ماذا أعلن البيت الأبيض؟
وفق نصّ البيان، يتضمن الإطار الانتقالي المعلن ثلاث طبقات أساسية:
1. اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)
يتولى الدكتور علي شعث الإشراف على "استعادة الخدمات العامة الأساسية"، وإعادة بناء المؤسسات المدنية، وتثبيت الحياة اليومية، مع "وضع الأسس لحوكمة طويلة الأمد قادرة على الاستدامة الذاتية".
2. مجلس السلام (Board of Peace) ومجلسه التنفيذي
يقول البيان إن مجلس الأمن "أيّد" الخطة الشاملة ورحّب بتأسيس "مجلس السلام"، الذي سيقود "الإشراف الاستراتيجي وحشد الموارد الدولية وضمان المساءلة"، ويرأسه الرئيس دونالد ترمب. كما يذكر البيان تشكيل "مجلس تنفيذي تأسيسي" يضم أسماء سياسية واقتصادية ودبلوماسية (منها وزير الخارجية ماركو روبيو، وستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، والسير توني بلير، ومارك روان، وأجاي بانجا، وروبرت جابرييل).
3. قوة الاستقرار الدولية (ISF) وممثل سامٍ لغزة
يُسند البيان إلى اللواء جاسبر جيفرز قيادة "قوة الاستقرار الدولية" لدعم "نزع السلاح الشامل"، وتأمين إيصال المساعدات والمواد، ويعيّن نيكولاي ملادينوف "ممثلاً سامياً لغزة" ليكون حلقة الوصل الميدانية بين مجلس السلام واللجنة الوطنية.
ويضيف البيان إنشاء "مجلس تنفيذي لغزة" يضم قائمة أسماء من بينها أيضاً ويتكوف، وكوشنر، وهاكان فيدان، وريم الهاشمي، وسيجريد كاج، بما يرسّخ - وفق صياغة البيان - نموذجاً يجمع بين إدارة تكنوقراطية محلية ورافعة دولية للتمويل والأمن.
كيف تُعرّف الخطة نفسها؟ النقاط التي تفسّر "الطابع الدولي" للإدارة
- النص الكامل لـ"الخطة الشاملة" (20 نقطة) المنشور في أرشيف The American Presidency Project يوضح أن "الحوكمة"، و"الأمن"، و"التمويل" هي قلب المرحلة الانتقالية:
- • تنص النقطة 9 على أن غزة "ستُحكم عبر حوكمة انتقالية مؤقتة" بواسطة "لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية"، على أن تضم "فلسطينيين مؤهلين وخبراء دوليين"، وتكون تحت "الإشراف والرقابة" من "مجلس السلام" الذي "يرأسه ويترأسه" الرئيس ترمب، مع الإشارة إلى أن المجلس سيتولى "وضع الإطار والتعامل مع التمويل" حتى استكمال إصلاحات السلطة الفلسطينية وعودتها للسيطرة على غزة.
- • تتضمن النقطة 15 إنشاء "قوة استقرار دولية مؤقتة" (ISF) تنتشر في غزة، وتدرّب قوات شرطة فلسطينية "مُدقَّقة"، وتساعد على أمن الحدود بالتنسيق مع إسرائيل ومصر.
- • تشدد النقطة 16 على عبارة مباشرة: "لن تحتل إسرائيل غزة أو تضمها"، وتصف انتقالاً تدريجياً للأراضي من القوات الإسرائيلية إلى "قوة الاستقرار الدولية"، مع الحديث عن "محيط أمني" مؤقت.
- • كما تنص النقطة 12 على "عدم إجبار أحد على مغادرة غزة" مع حرية المغادرة والعودة.
- هذه البنود ــ خصوصاً (9) و(15) و(16) - هي التي تجعل المقارنة التاريخية مع نماذج "إدارة دولية انتقالية" أمراً شبه تلقائي لدى كثير من المتابعين.
خطوة موازية من الوسطاء الإقليميين: "لجنة تكنوقراط فلسطينية" برئاسة شعث
قبل بيان البيت الأبيض بيومين، رحّبت تركيا ومصر وقطر - في بيان مشترك بصفة "وسطاء" - بتشكيل "اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة" برئاسة الدكتور علي عبد الحميد شعث، معتبرةً ذلك تطوراً مهماً لتحسين الوضع الإنساني وتمهيداً لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار وفق خطة أعلنها الرئيس ترمب.
التقاطع بين البيانين (الوسطاء والبيت الأبيض) يعزز فكرة أن "اللجنة" تُطرح كنواة محلية/فلسطينية ضمن هندسة أوسع تتضمن إشرافاً وتمويلاً وأمناً دولياً.
لماذا يستحضر مؤرخو السياسة نماذج "الإدارة الدولية الانتقالية"؟
في الأدبيات السياسية، يُعرَّف نموذج "الإدارة الدولية الانتقالية" بأنه تولٍّ مؤقت لوظائف الحكم الأساسية في دولة أو إقليم من قبل منظمة أو منظمات دولية (غالباً الأمم المتحدة وإن لم يكن حصراً)، بهدف إدارة الإقليم مؤقتاً وبناء قدرة ذاتية للحكم المحلي.
هذا الإطار المفاهيمي يضيء "منطق الخطة": لجنة تكنوقراط لتسيير اليومي، مجلس دولي للتوجيه والتمويل، وقوة دولية للأمن. وهو منطق له سوابق معروفة ــ لكن أيضاً له "جدل" متكرر حول حدود الشرعية، والتمثيل، والسيادة.
السوابق التاريخية الأقرب… وما الذي يُشبه غزة وما الذي يختلف؟
1 - تيمور الشرقية: عندما كانت الأمم المتحدة "مسؤولة بالكامل عن الإدارة" خلال الانتقال إلى الاستقلال.
أبرز نموذج حديث لإدارة دولية مباشرة هو بعثة الأمم المتحدة للإدارة الانتقالية في تيمور الشرقية (UNTAET) بعد استفتاء 1999. تصف الأمم المتحدة UNTAET بأنها عملية متعددة الأبعاد كانت "مسؤولة بالكامل عن إدارة تيمور الشرقية خلال انتقالها إلى الاستقلال" بموجب قرار مجلس الأمن 1272 (1999).
ومن وثائق UNTAET التعريفية آنذاك، يظهر أن الإدارة الانتقالية امتلكت صلاحية تشريعية حصرية عبر لوائح، وأن "مدير المقاطعة" التابع لـUNTAET كان مسؤولاً عن "جميع المسائل التشريعية والتنفيذية" على مستوى المقاطعات، إلى جانب ترتيب هياكل تشاورية تضم تمثيلاً محلياً.
أوجه الشبه مع غزة:
• نموذج "سلطة انتقالية" تركز على إعادة الخدمات، وبناء مؤسسات، واستدعاء التمويل الدولي، وتزاوج الإدارة المدنية مع مكوّن أمني.
أوجه الاختلاف:
• في تيمور الشرقية كانت الأمم المتحدة (كمؤسسة متعددة الأطراف) هي الإطار القانوني والتنفيذي المباشر، بينما في غزة - وفق تحليل قانوني نشرته ASIL - تُطرح "هيئة انتقالية" (Board of Peace) ذات "شخصية قانونية دولية"، لكنها ليست جهازاً تابعاً للأمم المتحدة، ويرأسها رئيس دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو ترتيب تُشير ASIL إلى أنه "بلا سابقة" في ممارسة الأمم المتحدة.
2) كوسوفو: «صلاحيات تشريعية وتنفيذية وإدارة القضاء» تحت بعثة دولية
في كوسوفو، أنشأ قرار مجلس الأمن 1244 (1999) بعثة UNMIK كـ"حضور مدني دولي" لتأمين "إدارة انتقالية" تتيح "حكماً ذاتياً كبيراً". والأهم في سردية المقارنات: يذكر تعريف الأمم المتحدة للبعثة أن المجلس "منح UNMIK سلطة على الإقليم وسكانه، بما في ذلك جميع السلطات التشريعية والتنفيذية وإدارة القضاء".
أوجه الشبه مع غزة:
• فكرة "هندسة حوكمة انتقالية" يجري فيها نقل أو تجميع سلطات تنفيذية/تنظيمية بيد جسم دولي/انتقالي لتحقيق الاستقرار وبناء مؤسسات.
أوجه الاختلاف:
• UNMIK كانت بعثة أممية بولاية محددة وضمن منظومة مساءلة أممية (ولو كانت مثار جدل). في حالة غزة، ينتقد بعض القانونيين في ASIL غياب معايير تعيين واضحة أو ضمان تمثيل فلسطيني أو آليات رقابة أممية على "مجلس السلام"، بحسب ما يورده التحليل.
3) البوسنة والهرسك: نموذج "الممثل السامي" كسلطة مدنية فوق-وطنية
بعد اتفاق دايتون، برز نموذج مختلف: "الممثل السامي" الذي يتولى الإشراف على التنفيذ المدني للاتفاق. موقع Office of the High Representative يشرح أن اتفاق دايتون (الملحق 10) أنشأ منصب الممثل السامي لمتابعة التنفيذ المدني.
ويشير برلمان المملكة المتحدة في ورقة بحثية إلى ما بات يُعرف بـ"صلاحيات بون" التي توسعت لاحقاً، بما في ذلك فرض تشريعات وعزل مسؤولين منتخبين/معينين في سياق إدارة ما بعد الحرب.
لماذا تُستدعى البوسنة عند قراءة غزة؟
لأن بيان البيت الأبيض يتبنى تسمية قريبة وظيفياً: "الممثل السامي لغزة" الذي يعمل رابطاً ميدانياً، ويدعم إشراف مجلس السلام على الحوكمة وإعادة الإعمار والتنمية، مع تنسيق "المسارات المدنية والأمنية".
4) ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية: "تسلّم السلطة العليا" وإعادة بناء الدولة تحت الاحتلال
هناك سوابق "أقسى" تاريخياً: احتلال ما بعد الحرب، حين يتولى المنتصر إدارة الدولة مباشرة.
• في ألمانيا، نص إعلان 5 يونيو 1945 على "تسلّم السلطة العليا" من قبل حكومات الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، والمملكة المتحدة، والحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية.
• في اليابان، تلخّص وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة (بقيادة الجنرال دوجلاس ماك آرثر بصفته Supreme Commander for the Allied Powers) قادت احتلالاً ركز على نزع السلاح وإصلاحات سياسية واقتصادية واسعة.
أوجه شبه "حذرة" مع غزة :
الخطة تتضمن عناصر "نزع سلاح/نزع عسكرة"، وتعيد طرح فكرة أن الأمن هو بوابة الإعمار، وهي فكرة كلاسيكية في مشاريع إعادة البناء بعد الحروب.
الاختلاف الجوهري:
الاحتلالات التاريخية كانت نتاج حرب بين دول وانتهت باستسلام رسمي؛ بينما غزة تقع ضمن سياق نزاع ممتد وأسئلة قانونية حول الاحتلال وحق تقرير المصير، وهو ما يجعل "القياس" هنا محدوداً وربما "مشحوناً سياسياً".
5) العراق 2003: سلطة ائتلاف مؤقتة وإشكالية "الشرعية والاحتلال" في القانون الدولي
في العراق، أنشأت دول التحالف "سلطة الائتلاف المؤقتة" كسلطة فعلية على الأرض بعد الغزو. وفي المقابل، تبنّى مجلس الأمن القرار 1483 (2003) الذي تناول وضع "السلطات القائمة بالاحتلال" ومسؤولياتها وفق القانون الدولي.
لماذا يُستحضر العراق؟
لأنه يقدم مثالاً حديثاً على إدارة انتقالية شديدة الحساسية سياسياً: وفرة التمويل/المشاريع لا تُسكت أسئلة الشرعية والتمثيل والأمن، بل قد تزيدها حدةً إذا اعتُبرت الإدارة "مفروضة".
6) الانتدابات والوصاية: الذاكرة الاستعمارية التي تلاحق أي "إدارة خارجية"
قبل الأمم المتحدة، وضع "ميثاق عصبة الأمم" (المادة 22) نظام الانتداب بوصفه "أمانة حضارية" لإدارة أقاليم كانت تابعة للإمبراطوريات المهزومة "حتى تستطيع الوقوف وحدها".
ومن أشهر الانتدابات تاريخياً "انتداب فلسطين"، الذي ألزم الدولة المنتدبة - بنصه - بتهيئة البلاد لقيام "مؤسسات ذاتية الحكم" ضمن إطار إدارة الانتداب.
أما في منظومة الأمم المتحدة، فقد نظّم "نظام الوصاية الدولية" في الميثاق (المادتان 75 و76) أهدافاً تشمل "التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي" لشعوب الأقاليم الموضوعة تحت الوصاية وتطويرها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال.
هذه الخلفية هي سبب الحساسية القصوى: أي نموذج يُقرأ بوصفه "إدارة خارجية" يمكن أن يستدعي - سيما في الشرق الأوسط - ذاكرة الانتداب/الاستعمار، حتى لو قُدّم بمفردات "إعادة إعمار"، و"حوكمة تكنوقراطية".
أين تقع "خطة غزة" على خريطة هذه السوابق؟
يمكن توصيف "الإطار المعلن" في بيان البيت الأبيض - مع الاستناد إلى نص الخطة 20 نقطة - بأنه يمزج بين ثلاثة نماذج تاريخية:
1. نموذج الإدارة الدولية الانتقالية (UNTAET/UNMIK)
لجهة الجمع بين أمن دولي وبناء مؤسسات وخطة تمويل بإشراف هيئة عليا، مع إدارة انتقالية لخدمات الدولة.
2. نموذج "الممثل السامي" (البوسنة)
لجهة وجود "ممثل سامٍ" يُنسّق ويشرف بين المركز الدولي والإدارة المحلية على الأرض.
3. منطق إعادة الإعمار المقترن بنزع السلاح (ما بعد الحرب العالمية الثانية)
لجهة مركزية "نزع السلاح/نزع العسكرة" كشرط لإعادة البناء والاندماج الاقتصادي.
لكن الفارق - بحسب قراءة قانونية في ASIL - أن "مجلس السلام" المقترح كهيئة انتقالية ليس جهازاً أممياً، وأن رئاسته من رئيس دولة دائمة العضوية تثير أسئلة حول "سلطة مجلس الأمن" في إعادة هندسة الحكم في أرض محتلة دون موافقة صريحة من السكان المعنيين.
وفي سياق أوسع، حذّر بيان لمقررة أممية خاصة لدى مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) من أن القرار 2803 (وفق توصيفها) قد "يخاطر بترسيخ سيطرة خارجية" على الحوكمة والحدود والأمن وإعادة الإعمار، معتبرةً أن ذلك يمس حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
نقاط الاشتباك التاريخية المتكررة: أسئلة تتكرر من تيمور الشرقية إلى كوسوفو… وصولاً إلى غزة
خبرة العقود الثلاثة الماضية مع "الإدارات الانتقالية" تُظهر أن نجاحها أو تعثرها غالباً ما يرتبط بمجموعة أسئلة معيارية - وهذه الأسئلة نفسها باتت حاضرة في نقاش غزة:
1. الشرعية والقبول المحلي
الأدبيات الأكاديمية تذكّر بأن الإدارة الدولية تُقدَّم كـ"وصاية مؤقتة" لا كسيادة بديلة، وأن غاية هذه الإدارة بناء قدرة محلية ثم تسليمها تدريجياً. باحثون في قانون الأمم المتحدة، مثل كارستن شتان، يناقشون "الطابع الائتماني/الوصائي" للإدارات الأممية وحدودها الانتقالية، ويحذرون من انزلاقها إلى دور "دولة بديلة"، إذا لم تُضبط بالمساءلة والتمثيل.
2. وضوح "نهاية اللعبة": متى تنتهي الإدارة الانتقالية؟ ولمن تُسلَّم؟
خطة ترامب تتحدث عن انتقالٍ إلى السلطة الفلسطينية بعد "برنامج إصلاح"، و"قدرة آمنة وفعالة" على استعادة السيطرة، لكن معيار "الرضا عن الإصلاحات" ومن يحدده عملياً سيبقى مفصلياً.
3. الأمن: قوة دولية كضمانة أم كموضوع صراع؟
الخطة تنص على "قوة استقرار دولية" وتربط الانسحاب الإسرائيلي بمعايير ومراحل مرتبطة بنزع العسكرة. تاريخياً، كانت القوات الدولية (مثل INTERFET ثم قوات الأمم المتحدة في تيمور الشرقية) جزءاً من "معادلة نجاح" أمنية، لكنها أيضاً قد تصبح محور رفض إن اعتُبرت منحازة أو غير خاضعة لرقابة شرعية.
4. التمثيل السياسي مقابل "التكنوقراط"
التكنوقراط ينجحون عادةً في "تشغيل الدولة" لا في "إعادة بناء العقد السياسي". في تيمور الشرقية مثلاً، رافق الإدارة الدولية بناء مجالس واستشارات محلية ثم انتخابات وتأسيس مؤسسات شرعية.
الخلاصة التاريخية: غزة أمام "مفترق نماذج"… والنتيجة ليست حتمية
قراءة التاريخ لا تعطي "حُكماً" بقدر ما توفر خريطة مخاطر وفرص:
• إذا تحولت "الهيئة الدولية المشرفة" إلى ما يشبه "حكومة فوقية" بلا تمثيل محلي واضح، فإن ذاكرة الانتداب والوصاية قد تطغى على خطاب إعادة الإعمار، وتتحول الإدارة الانتقالية إلى مصدر صراع لا إلى حل.
• وإذا امتلكت الخطة مساراً زمنياً واضحاً، وآليات مساءلة، وتمكيناً تدريجياً لمؤسسات فلسطينية قابلة للحياة، مع ترتيبات أمنية مقبولة إقليمياً، فإنها قد تقترب - من حيث البنية - من تجارب الإدارة الدولية التي نجحت في نقل أقاليم من الحرب إلى مؤسسات مستقرة نسبياً (كما في تيمور الشرقية وكوسوفو، مع اختلاف السياقات جذرياً).
وبين هذين الحدّين، تبقى "العبرة التاريخية": إعادة بناء المدن والأقاليم ممكنة بالمال والهندسة، لكن إعادة بناء الشرعية السياسية لا تنجح من دون موافقة السكان ومسار واضح للسيادة/تقرير المصير - وهي النقطة التي تجعل غزة، تاريخياً، حالةً أكثر تعقيداً من معظم سوابق "الإدارة الانتقالية" المعاصرة.


0 تعليقات