يُعَدّ النظام البنكي وتطوّره، إلى جانب الأدوات والخدمات التي يوفّرها للمستهلكين، أحد المؤشرات الأساسية على مستوى التطوّر الاقتصادي وحالة الاقتصاد العام. وكما هو الحال في معظم المؤشرات الاقتصادية والخدماتية الأخرى في البلاد، تعاني البلدات العربية من نقصٍ في الخدمات البنكية، سواء من حيث عدد الفروع أو جودة الخدمات المقدّمة. وهذه ليست مجرّد انطباعات عامة، بل واقع موثّق بالأرقام والمعطيات الرسمية.
ففي السنوات الأخيرة، نشرت وحدة الأبحاث والمعلومات في الكنيست الإسرائيلي عددًا من التقارير التي تناولت واقع الخدمات البنكية في البلدات العربية مقارنةً بنظيراتها اليهودية، وأظهرت هذه التقارير فجوات بنيوية واضحة في منالية الوصول إلى الخدمات المالية.
سوق الخدمات البنكية في إسرائيل
يُعَدّ قطاع الخدمات المالية والمصرفية في إسرائيل سوقًا شديد التركّز وضعيف المنافسة، إذ تهيمن خمس مؤسسات بنكية رئيسية على القطاع، ثلاث منها كبرى تسيطر على معظم النشاط المالي، فيما تُعَدّ الاثنتان الأخريان بنوكًا متوسطة الحجم، بالإضافة إلى بنك القدس المتخصص في قروض الإسكان بالأساس، وبنك "دغيتالي" One Zero، وأربعة فروع لبنوك أجنبية. كافة البنوك العاملة في إسرائيل تعود ملكيتها للقطاع الخاص وتخضع لرقابة صارمة من قبل بنك إسرائيل.
بلغ عدد الفروع الثابتة للبنوك في كافة أنحاء البلاد عام 2024، وفقًا لتقرير خاص أصدره مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست (تموز 2024)، 986 فرعًا، مقارنةً بـ 1,231 فرعًا في عام 2012 — أي انخفاض تراكمي بنسبة تقارب 20٪، وبمعدل انخفاض سنوي يبلغ نحو 2٪. كان الانخفاض الأكبر في عدد الفروع في البنوك الكبرى، بحيث تراجع عدد فروع بنك لئومي وهبوعليم بقرابة 25٪، بينما كان التراجع الأصغر لدى البنوك المتوسطة مثل "ديسكونت" و"مزراحي طفاحوت" و"البنك بنلئومي هاريشون".
عملية تقليص عدد الفروع نابعة من محاولات البنوك تقليل النفقات التشغيلية ورفع النجاعة وزيادة الأرباح، والتحول إلى خدمات مصرفية إلكترونية عن بُعد، وكذلك نتيجة لعمليات الدمج المؤسسي بين البنوك.
تقع نحو 47.5٪ من فروع البنوك في منطقتي المركز وتل أبيب، أي أن نصف فروع البنوك متركّزة في منطقتين فقط. في لواء الشمال هناك نحو 16٪ من الفروع، وفي لواء الجنوب 12٪، وفي لواء القدس 10٪، ولواء حيفا 13٪. في المعدل القطري يوجد 1.46 فرعًا لكل 10,000 نسمة، بينما في تل أبيب يصل المعدل إلى أكثر من فرعين لكل 10,000 نسمة، ما يعكس فجوة واضحة بين المركز والأطراف.
فروع البنوك في البلدات العربية
في عام 2024 كان هناك ما مجموعه 103 فروع مصرفية لجميع البنوك في البلدات العربية، أي ما نسبته نحو 11٪ من إجمالي الفروع في البلاد. وتتبع الغالبية العظمى من هذه الفروع لثلاثة بنوك مركزية كبرى هي: هبوعليم، لئومي، وديسكونت. تُعَدّ هذه النسبة أقلّ من النسبة العامة للمواطنين العرب في إسرائيل، والتي تبلغ قرابة 20٪، ما يعكس فجوة واضحة في توزيع الخدمات المصرفية.
ويبلغ معدل فروع البنوك في البلدات العربية نحو 1.48 فرع لكل 10,000 نسمة، مقارنةً بـ 1.59 فرع لكل 10,000 نسمة في البلدات اليهودية.
وفي الفترة الممتدة بين آب/أغسطس 2016 وأيار/مايو 2024، تم إغلاق 257 فرعًا مصرفيًا في إسرائيل، كان من بينها حوالي 5.5٪ في البلدات العربية، وهو ما يشير إلى استمرار انكماش الخدمات البنكية في المجتمع العربي، وتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية التقليدية في هذه المناطق.
استهلاك الخدمات البنكية
وفقًا لتقرير مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا في أنماط استخدام الخدمات البنكية، حيث ازداد الاعتماد على القنوات الرقمية، سواء من خلال المواقع الإلكترونية للبنوك أو عبر تطبيقات الهواتف الذكية.
وتُظهر المعطيات أنّه في عام 2022، تم تنفيذ 11.5٪ فقط من العمليات البنكية داخل الفروع التقليدية بواسطة الموظفين، وذلك كمعدل عام في إسرائيل، و21٪ عبر الأجهزة الآلية (الصرافات)، في المقابل جرى تنفيذ 45٪ من العمليات عبر تطبيقات الهواتف الذكية، بينما نُفّذ 6٪ عبر مواقع الإنترنت أو البريد الإلكتروني. ويعكس هذا الاتجاه تسارع التحول الرقمي في النظام البنكي الإسرائيلي، إلى جانب تراجع دور الفروع التقليدية كمصدر رئيسي لتقديم الخدمات.
أما في البلدات العربية، فقد أظهرت المعطيات صورة مختلفة إلى حدّ كبير؛ إذ تم تنفيذ نحو 16.2٪ من الخدمات البنكية داخل الفروع، و45٪ عبر أجهزة الصراف الآلية التابعة للبنوك، مقابل 28٪ عبر تطبيقات الهواتف الذكية، و4.4٪ عبر المواقع الإلكترونية للبنوك.
ويُظهر ذلك أن المجتمع العربي ما يزال أقلّ اندماجًا في عملية التحول الرقمي المصرفي، وأنه يستخدم الفروع البنكية بوتيرة أعلى من باقي البلدات.
ويتبيّن من هذه المعطيات أن التحول الرقمي في النظام البنكي الإسرائيلي، رغم كونه نجاحًا اقتصاديًا من منظور الكفاءة التشغيلية وتقليل التكاليف، إلا أنه يسهم في تعميق الفجوات الاجتماعية والجغرافية بين المركز والأطراف، وكذلك بين المجتمعين اليهودي والعربي، سواء في الوصول إلى الخدمات البنكية أو في الاستفادة من التطورات التكنولوجية الحديثة.
بالمجمل، يُشير تقرير مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست إلى أنّ الخدمات البنكية في المجتمع العربي ما تزال ضعيفة نسبيًا، وأنّ مستوى الاعتماد على الخدمات التقليدية (الوجاهية) التي تُقدَّم داخل الفروع بواسطة الموظفين، ما زال مرتفعًا مقارنةً بالاعتماد على الخدمات الرقمية.
ويُعَدّ تقرير مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست امتدادًا لسلسلة من التقارير السابقة الصادرة عن المركز نفسه، إضافةً إلى دراسات وأبحاث صحفية وأكاديمية أكّدت جميعها على تدنّي مستوى الخدمات البنكية في البلدات العربية، سواء من حيث توافر الفروع والمرافق البنكية أو من حيث جودة الخدمات المقدَّمة ومدى ملاءمتها لاحتياجات الزبائن، ومن حيث استعمال الأدوات البنكية.
فجوات في امتلاك الحسابات البنكية
أظهر تقرير خاص لبنك إسرائيل صدر عام 2022 وجود فجوات واضحة بين المجتمعين العربي واليهودي في امتلاك الحسابات البنكية واستخدام الأدوات المالية. بحسب التقرير، فإن نسبة المواطنين العرب البالغين الذين يملكون حسابًا في بنك تجاري أقلّ من المعدل العام في البلاد، إذ إن نحو 27٪ من المواطنين العرب لا يملكون حسابًا مصرفيًا على الإطلاق. أما فيما يتعلق باستخدام بطاقات الائتمان، فتبلغ النسبة في المجتمع العربي 63٪ فقط، مقابل 86٪ في المجتمع اليهودي، أي أن نحو 37٪ من المواطنين العرب لا يملكون بطاقة ائتمان.
كما تبيّن المعطيات أن نسبة الزبائن الذين لديهم تسهيلات ائتمانية في الحساب الجاري (إطار اعتماد) في المجتمع العربي بلغت 58٪، مقارنةً بـ 65٪ في المجتمع اليهودي. لكن من بين من يمتلكون هذه التسهيلات، فإن معدل استغلال إطار الاعتماد أعلى في المجتمع العربي، إذ يبلغ 86٪ مقابل 70٪ في المجتمع اليهودي، ما يشير إلى اعتماد أكبر على الائتمان البنكي لتغطية المصاريف الجارية في المجتمع العربي، ويدلّ في الوقت ذاته على فجوات في الاستقرار المالي والقدرة على الادخار.
وكذلك الحال في مجال القروض المخصّصة لتغطية مصاريف الاستهلاك، بحيث بلغت النسبة في البلدات العربية 56٪ مقابل 42٪ في البلدات اليهودية. ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى معلومة مؤلمة أوضحها مراقب الجهاز البنكي في بنك إسرائيل، في جلسة عقدت في لجنة الاقتصاد في الكنيست عام 2022، أن المستهلك العربي يدفع فائدة بنكية على قروض الاستهلاك أعلى بنحو 1٪ من المستهلك اليهودي، والتي بلغت حينها نحو 5.9٪ مقابل 4.7٪.
تردّي الخدمات البنكية في البلدات العربية
تردّي واقع الخدمات البنكية في البلدات العربية، وضعف استخدام الحسابات المصرفية والأدوات المالية الحديثة، يعكسان بصورة مباشرة الواقع الاقتصادي المتدنّي للمجتمع العربي، إلى جانب غياب المساواة في سياسات الجهاز البنكي الإسرائيلي، الذي يُفترض به – بوصفه قطاعًا خاصًا – أن يعمل وفق قواعد السوق والمنافسة والربح والخسارة.
وإذا كان قطاع الخدمات البنكية في الاقتصاد الإسرائيلي عامةً يعاني من ضعف المنافسة وتركّزه في خمس مؤسسات رئيسية، ثلاث منها كبرى تهيمن على السوق، فإنّ الوضع في البلدات العربية أكثر تخلّفًا وأقلّ تنافسية. إذ تقتصر غالبية الفروع العاملة في المجتمع العربي على بنكين أساسيين هما بنك لئومي وبنك هبوعليم، وإلى حدّ ما بنك مركنتيل، ما يؤدي إلى احتكار فعلي يقلّل من المنافسة ويضعف جودة الخدمات المقدّمة.
ويُسهم هذا الواقع في دفع أعداد متزايدة من المواطنين العرب إلى اللجوء لبدائل غير رسمية للحصول على حلول مالية أو القروض، من بينها السوق السوداء، التي تفرض شروطًا قاسية وأسعار فائدة مرتفعة، ما يثقل كاهل الأسر العربية بالديون ويؤدي في كثير من الحالات إلى تعزيز نفوذ الجريمة المنظمة التي تستفيد من غياب الخدمات البنكية الرسمية وتطرح نفسها كبديلٍ لها.


0 تعليقات