آخر المواضيع

الحداد المؤجل... لا وقت للحزن على الأحبة في غزة



هل يحدّ الغزيّون على فقدان بيوتهم أو أرزاقهم أو آبائهم أو أطفالهم أو أطرافهم المبتورة؟ إن أرواحهم تحتاج الحداد وتستحقه بعد كلّ ما عاشته منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لكنهم يدركون أن لا وقت للحداد 

لم يبكِ الغزيّون أحباءهم. فُجِعوا ولم يُتح لهم الوقت والظروف لتوديعهم وتذكّر تفاصيلهم. خلال الهدنة التي استمرت سبعة أيام، وانتهت في الأول من ديسمبر/ كانون الأول، كان عليهم الاستعداد للمرحلة المقبلة وتفقّد ما خسروه، وربّما محاولة النوم بهدوء بعيداً عن أصوات الطائرات الحربية والقصف المستمر. الموت يليه دائماً حداد على الميت، ومؤازرة من الأقارب والأصدقاء. وهذا ما لا يحدث في قطاع غزة. الموت يليه موت فقط. لا وقت للحزن والبكاء والوداع. 
يقول الشاب الثلاثيني الغزي ياسر: "خسرتُ منزلنا في حي النصر... وخسرتُ الكثير من الأصدقاء والأغراض الخاصة بي التي كانت موجودة في المنزل. أريد لهذه الحرب أن تنتهي ليس لأن تصبح الحياة أفضل، ويتوقف قتل المدنيين فحسب، بل أحتاج إلى استراحة بعد انتهاء الحرب لأعطي كل واحد من الذين خسرتهم حقّه في الذكرى". أكثر ما يحتاجه هو وقت للحزن، وهو ما لم يتحقق حتى خلال الهدنة. 
حتّى هذه الأمنية تحولت إلى رفاهية. وقف الحرب والحداد هما رفاهية لا يملكها الغزيون. وكأن قدرهم دفن حبيب تلو الآخر... حفر ما تبقى من أرض وإغلاق الحفر. آلاء ياغي (33 عاماً)، وهي مرشدة نفسية تربوية غزية، تقول إن "دفن الأشخاص من دون وداع أو جنازة أمر فُرض علينا، وليست لدينا رفاهية الاختيار". تضيف: "بعض العائلات تربي أولادها على أنهم قد يستشهدون في أية لحظة. في المقابل، يحاول البعض تهوين الأمر على الأطفال، وإن كانوا يدركون هذا الواقع. ما يصبر الجميع أن أرضنا ستعود، ويبقى تحرير فلسطين بصيص الأمل. نقول دائماً: كل ما يحدث هو فداء لفلسطين والقدس وغزة". 
تتابع آلاء: "نحتاج عمراً فوق عمرنا لننسى أو حتى نتمكن من استيعاب ما يحصل إذ لا يمكن أن ننسى. اعتدنا الحروب لكننا كنا نبقى في بيوتنا. لم نتخيل ما يحدث اليوم حتى في الكوابيس. بعد انتهاء الحرب، سيبدأ الحزن الفعلي. نحن في الجنوب لا نعرف ماذا حل في مناطقنا وإذا ما دمرت بيوتنا. بعد انتهاء الحرب، سنتفرغ للجرح، بل ستظهر الجروح بشكل كبير. الناس التي لم تتمكن من تنظيم عزاء ستفعل. كل الشعب الفلسطيني يحتاج إلى من يواسيه ويُطبطِب عليه ويهون عليه ويخفف من حدة الألم الذي لن ننساه ما حيينا".
الموت في غزة مستمرّ. ولا يزال الغزيون يجمعون أشلاءهم وبقاياهم ويدفنونها. أطفالهم يدفنون أطفالاً آخرين. يبكون آباءهم ويودعونهم ثم يقولون إنهم شهداء. هكذا، يصبّرون قلوبهم ووحدتهم ويتمهم. طفل يطلب من شقيقه تلاوة الشهادة وهو يحتضر. يُعرّف أطفال عن أنفسهم بالقول: "أنا ابنة شهيد. أنا شقيق شهيد". بل هم أحفاد شهداء قتلهم الجيش الإسرائيلي ما قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بكثير. يحملون في كيانهم ذلك الألم الذي ينتقل عبر الأجيال، وذلك التمسك بالأرض والهوية، مثل التطريز الفلسطيني. يقول الطبيب النفسي جيرارد فروم: "عندما يكون أفراد المجموعة الضحية غير قادرين على تحمل الإذلال أو التخلص من عجزهم أو الحداد على خسائرهم، فإنهم ينقلون إلى أطفالهم صوراً قوية مشحونة عاطفياً لأنفسهم المجروحة". في السياق نفسه، كتب الناشط في مجال حقوق الإنسان والكاتب إياد البغدادي، على منصة "إكس": "حزننا ومحفزاتنا العميقة ليست بسبب حادثة واحدة. نحن أمة من اللاجئين، الناجين من المحو، من العنف الذي لا هوادة فيه. نحن لا نحمل جراحنا فحسب، بل جراح أسلافنا. كل جراحنا مفتوحة وتنزف الآن".

يسأل الصغار عن السبب الذي يدفع الجيش الإسرائيلي إلى قتلهم بهذه الوحشية. يطرحون السؤال من حرقة قلوبهم الصغيرة وإن كانوا يعرفون الجواب. إحدى الطفلات كانت تقول إنها تنام جائعة وتعاني من البرد لأن والدها قد استشهد، هو الذي كان يحرص على تأمين الدفء. لكنها صامدة رغم كل هذا الوجع، ومثلها أم فقدت أولادها.
الحِداد هو الحزن على وفاة شخص ما، وتُستخدم الكلمة لوصف مجموعة سلوكيات ثقافية تُمارس لتوديع الفقيد. وغالباً ما يمرّ المرء بمراحل عدّة خلال فترة الحداد. هذا في الحالات الطبيعية، فالأمر مختلف في قطاع غزة. تشرح الاستشارية النفسية في مركز CPRM إيليان نحات، في حديثها لـ "العربي الجديد"، أن "الحداد هو فقدان وترك شخص كان قريباً وتربطنا به علاقة عاطفية، هو نوع من الانفصال نتيجة خسارته (الشخص). والحداد الطبيعي يتضمن مراحل عدة. المرحلة الأولى هي الصدمة. يسأل المرء: ماذا حدث؟ ويلي الصدمة الإنكار، أي رفض الاعتراف بحصول الموت في محاولة لحماية ذواتنا. ثم يكون الغضب. وفي هذه المرحلة، قد نلوم أنفسنا لأننا لم نكن إلى جانب من فقدنا ولم نساعده بما فيه الكفاية، ونشعر بالعجز لعدم القيام بما كان يجب فعله. بعدها، نقول إننا ربما عجزنا عن المساعدة أو هذه إرادة الله. نذهب إلى مرحلة المساومة والتفاوض. ثم ندخل مرحلة الاكتئاب ويتغلب علينا الفراغ العاطفي، أي افتقادنا الشخص. يغلب علينا الشعور بالوحدة والحاجة إلى وجود الفقيد. نشعر بحزن دائم. هذه الفترة قد تطول كثيراً، والبعض يتناول أدوية ليتمكن من الاستمرار، ثم تأتي مرحلة التجاوز رويداً رويداً والوصول إلى التقبل والعودة إلى العمل وربّما رؤية الأصدقاء... أي استئناف الحياة الاجتماعية". 

ماذا عن قطاع غزة؟ توضح نحات أنه "في القطاع الوضع أكثر تعقيداً، إذ يولد الغزيون بالصدمة. وما يحدث فيه اليوم هو فقدان فردي وجماعي. هناك خسائر يومية. الغزيون مهددون من العدو الإسرائيلي في كل لحظة. ولا يتعلق الأمر بخسارة الأرواح فقط، فهو يهددهم بالأكل والشرب الأمر الذي قد يؤدي إلى موتهم. الغزيون مهددون بوجودهم وأرضهم وهويتهم. وهنا يأتي السؤال: هل تنطبق فكرة الحداد بمراحلها على غزة؟ ليس لديهم الوقت، وبالتالي يبقون في المرحلة الأولى. ثم فإن الأوجاع والخسائر كثيرة. فعلى أي وجع يحدّون؟ لذلك، الحداد أكثر صعوبة في غزة".  
وتوضح أن الغزيين يولدون مشاريع شهداء أو مناضلين، ما يعني بناء أوّليّات دفاعية تشكل لديهم مقاومة نفسية تساعدهم على التكيف مع الظروف القاسية التي يواجهونها يومياً. وهنا، تشير إلى أن الغزيين لا يفكرون في الفراق أو خسارة الأحباء بقدر ما يفكرون بالقضية والمقاومة والنضال. ولهذا السبب لا يُحبطون ويُكملون. لكن هذا لا يلغي الوجع. ومجدداً، على ماذا يبكون تحديداً وسط كل هذه المآسي والخسائر؟".  

وتشرح أن الإيمان بالقضية والحياة بعد الموت ولقاء الأحبة مجدداً، أي أن هذا الترفع، يساعدهم على متابعة المسير، فهم يناضلون لتبقى الأرض، مضيفة: "ما من وداع، بل فراق لفترة قبل اللقاء مجدداً. الحزن موجود، لكن أكثر على الأرض والهوية". وتتحدّث عن أهمية الحصانة الجماعية. "فالطفل يولد ويكبر وسط مشاهد جماعيّة قائمة على ممارسات الجيش الإسرائيلي والقتل والتدمير وخسارة الأهل والأحبة، عدا الحكايا المتناقلة التي باتت جزءاً من الذاكرة الجماعية. حتى الطفل الفلسطيني يدرك أن كل شيء مهدّد، وقد يخسر كل شيء في أية لحظة". وتلفت إلى أن ما يعيشه الأطفال أكثر صعوبة، لأنهم ولدوا ويعيشون في الحرب ونزوة الموت التي تضاف إلى صدمة الولادة. هؤلاء يدركون أن عليهم أن يحاربوا ليعيشوا وليس فقط لتبقى عائلاتهم، بل ليبقى وجودهم وهويتهم". 
وتتطرق إلى "أهمية التعلّق بالقيم العائلية، الأمر الذي يتجلى في الوحدة بين الناس. كما أن كثرة الإنجاب مردها إلى الحفاظ على الأرض عامرة، وإن كانوا يعيشون أحداثاً مؤلمة وخسائر متكررة طوال الوقت. ولدى حدوث مجازر، يسألون: من بقي من عائلتي؟ فمن بقي سيُتابع السير من أجل القضية والأرض. وهذا التكاتف الجماعي يتجلى أيضاً في الدفن الجماعي".  

وفي النتيجة، تقول إن لدى الفلسطينيين والغزيين "مقاومة نفسية تمنعهم من الانهيار وتدفعهم إلى المقاومة. لا مجال للكبت. لا مجال يوميا ولحظويا. هم في حالة اضطهاد وحصار وإذلال دائمة. لذلك، ما يحدث ليس آنياً بل قديم ومرسّخ، فالصدمات والحزن تُتناقل عبر الأجيال. يعيش الغزيون حزناً دائماً وليس جديداً. لا مجال إلا للمتابعة لأن القضية أقوى". 
ليس الحزن لحظات عابرة في حياة الغزيين. بل إن الحزن كبير لأنهم يولدون في بقعة جغرافية لا أمل فيها. هكذا يتحول الموت إلى حياة، فمشروع الشهادة هو نتيجة الدفاع عن الوجود والأرض، تقول نحات.

إرسال تعليق

0 تعليقات

تابعنا على وسائل التواصل الاجتماعي

أخر المنشورات

أهم الاخبار

تابعونا على موقعنا اخبارنا سوا